قبس من معجم الأمة | صحيفة الخليج

قبس من معجم الأمة | صحيفة الخليج

المعجم التاريخي للغة العربية، هو في العمق معجم الأمة الذي يدون مفرداتها، ويوثق تطور كل كلمة بمعناها ودلالتها وسياق استخدامها وفضاء تداولها، وعندما نفتحه فنحن في الحقيقة لا نطل على اللغة وحسب، ولكننا نشاهد تاريخ العرب يتحرك أمامنا من خلال شعرهم ونثرهم، أيامهم وملاحمهم، أمثالهم وحكمهم، ومع كل هذا نشعر بآمالهم وطموحاتهم وأمنياتهم وما فكروا فيه، وما حلموا به..

ونظراً لفرادة المعجم في معناه ومبناه نقتبس منه في هذه الزاوية في كل أسبوع قبساً يضيء جانباً من روح الأمة التي يحق لها أن تفرح وتفخر بهذا المعجم.

«صدح»

مفردة «صدح»، من الألفاظ العربية العامرة بالدلالات، فهي تشير في معانيها الكلية إلى «الصَّوْتِ والغِناءِ»، وتستخدم حتى الآن بهذا المعنى الذي يشير إلى الشعور بالارتياح وفي توصيف الصوت الجميل وما يتبع ذلك من التحليق في عوالم السعادة، وهي كذلك يتغير معناها بتغير التشكيل والحركة الصوتية للحروف مما يلفت إلى ثراء العربية ومرونتها.

والفعل صَدَحَ (بِفَتْحِ الدّالِ) الإِنْسانُ والطّائِرُ يَصْدَحُ (بِفَتْحِ الدّالِ) صَدْحاً، وصُداحاً، وصَديحاً: رَفَعَ صَوْتَهُ مُغَنِّياً مُتَرَنِّماً فهُوَ صادِحٌ، وصَدّاحٌ، وصَيْدَحٌ.

وجرى استخدام المفردة في عهود وأزمنة عربية مختلفة وهناك الكثير من النماذج على ذلك الاستخدام، فقبل الإسلام قالَتْ أُمُّ موسى الكِلابِيَّةُ (ت: 86ق.ه=538م) تَتَحَرَّقُ شَوْقًا إِلى دِيارِها بَعْدَ هِجْرَتِها مَعَ زَوْجِها إِلى اليَمَنِ:

وللهِ دَرّي أَيُّ نَظْرَةِ ناظِرٍ

نَظَرْتُ ودوني طَخْفَةٌ ورِجامُها

هَلِ البابُ مَفْروجٌ فأَنْظُرَ نَظْرَةً

بِعَيْنَيَّ أَرْضاً عَزَّ عِنْدي مَرامُها

فيا حَبَّذا الدَّهْنا وطيبُ تُرابِها

وأَرْضٌ فَضاءٌ يَصْدَحُ اللَّيْلَ هامُها.

أما في عصر الإسلام فقد قال الأَعْشى (ت: 7ه=628م) يَتَغَنّى بِجَلَساتِ الأُنْسِ والسَّمَرِ الَّتي حَظِيَ بِها عِنْدَ المُلوكِ الَّذينَ قَصَدَهُمْ:

وجُلَنْداءَ، في عُمانَ، مُقيماً

ثُمَّ قَيْساً في ‌حَضْرَ‌مَوْتَ ‌المُنيفِ

قاعِداً حَوْلَهُ النَّدامى فما يَنْ

فَكُّ يُؤْتى بِموكَرٍ مَحْذوفِ

وصَدوحٍ ‌إِذا يُهَيِّجُها الشُّرْ

بُ تَرَقَّتْ في مِزْهَرٍ مَنْدوفِ.

بينما قال بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ في العصر العباسي (ت: 167ه=784م) يَفْخَرُ بِنَفْسِهِ:

ولَدَيْنا حُلْوُ الثَّنا صَيْدَحِيٌّ

بِهَوانا تَزيدُهُ الكَأْسُ جودا.

أما في عصر الدول والإمارات، فقد قالَ التَّلَّعْفَرِيُّ (ت: 675ه=1277م):

ماءُ الغَمامَةِ والمُدامَةِ والقَدَحْ

وابْنُ الحَمامَةِ في الأَراكَةِ قَدْ صَدَحْ.

«كظم»

مفردة «كظم»، هي كذلك من الألفاظ التي لا تزال تُستخدم في يومنا هذا للتعبير عن أوجه وحالات مختلفة، ففي معانيها الكلية تشير إلى «الإمْساكُ»، و«الجَمْعُ للشَّيءِ».

أما الفعل «كَظَمَ» (بفَتْحِ الظَّاءِ) فُلانٌ يَكْظِمُ (بكَسْرِ الظَّاءِ) كَظْماً: سَكَتَ، واستخدم هذا اللفظ في عهود عربية مختلفة فهو من المفردات واضحة وقوية الدلالة والمعنى، وكذلك في حالات التوصيف الدقيق للصورة المعينة لذلك وردت في القرآن الكريم وفي الشعر كثيراً.

ففي العصر الإسلامي، ورد في القرآن الكريم قول الله عز وجل: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ من سورة «غافر: 18».

وورد عن العجاج (ت: 90ه=708م) قوله:

ورُبَّ أَسْرابِ حَجيجٍ كُظَّمْ

عَنِ اللَّغا ورَفَثِ التَّكَلُّمْ.

أما في العصر العباسي فقد قال كُراعُ النَّمْلِ (ت: 309ه=921م):

«والكَظومُ: السَّكوتُ، وقَدْ كَظَمَ يَكْظِمُ كَظْماً». (وهَذِهِ الدَّلالَةُ سَجَّلَتْها المَعاجِمُ في بَقِيَّةِ العُصورِ).

وكذلك من معاني «كَظَمَ»، البَعيرُ كُظوماً: إِذا رَدَّ جَرّتَهُ، وكَفَّ عَنِ الاجْتِرارِ.

وقريب من هذا المعنى قال القُطَامي التَّغْلبيُّ (ت: 130ه=748م) في العصر العباسي يَمْدَحُ نَفْسَهُ:

إذا سَمِعَتْ لَهُ القِعْدانُ عَزْفاً

ذَرَفْنَ وَهُنَّ مِنْ فَزَعٍ كُظومُ.

«شغف»

«شغف»، من الألفاظ التي استخدمت وما زالت تستخدم بكثرة في عالم اليوم، وهو يؤكد على قدرة اللغة العربية عن التعبير عن الذات والمشاعر والنفاذ إلى ما بدواخل الإنسان، فالمعاني الكلية لهذه المفردة هي: «الوَلَعُ والافْتِتانُ بِالشَّيْءِ».

ومن المعاني كذلك، «شَغَفَ»، (بِفَتْحِ الغَيْنِ) فُلانٌ الإِبِلَ يَشْغَفُ (بِفَتْحِ الغَيْنِ) شَغْفاً، وشَغَفاً: طَلاهَا بالقَطِرانِ فَأَلْهَبَ حَرُّهُ جِلْدَها، فَوَجَدَتْ لِذَلِكَ لَذَّةً مَعَ حُرْقَةٍ.

وأيضاً من معاني «شَغَفَ» الحُبُّ ونَحْوُهُ فُلاناً: تَيَّمَهُ وأَسَرَ لُبَّهُ، فالمَفْعولُ مَشْغوفٌ، وشَغيفٌ. وحول هذا المعنى يقول امْرُؤُ القَيْسِ، في عصر ما قبل الإسلام:

أَيَقْتُلُني وقَدْ شَغَفْتُ فُؤادَها

كَما شَغَفَ المَهْنوءةَ الرَّجُلُ الطّالي

وفي العصر الإسلامي ورد في القرآن الكريم (11ه=632م) قول اللهُ:

﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾.

وورد في العصر العباسي قول أبو دُلامَةَ (ت: 161ه= 778م):

إنْ كُنْتَ أَصْبَحْتَ مَشْغوفاً بِجاريَةٍ

فلا ورَبِّكَ لا تَشْفِيكَ مِنْ شَغَفِ.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *