مصر تعرض إنجازاتها التشغيلية في مؤتمر العمل الدولي الرابع عشر بجنيف

مصر تعرض إنجازاتها التشغيلية في مؤتمر العمل الدولي الرابع عشر بجنيف

افتتحت اليوم الاثنين في مدينة جنيف السويسرية فعاليات الدورة 114 لمؤتمر العمل الدولي، الذي يُعتبر أكبر تجمع عالمي يتعلق بقضايا العمل. يجمع المؤتمر ممثلين عن الحكومات وأصحاب العمل والعمال من مختلف أنحاء العالم، بهدف مناقشة التحديات الحالية والمستقبلية التي تواجه أسواق العمل، والعمل على تطوير سياسات دولية تواكب التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية السريعة.

تمثل مصر في المؤتمر بوفد ثلاثي يقوده وزير العمل حسن رداد، في سياق تزايد أهمية التجربة المصرية داخل منظمة العمل الدولية. ذلك جاء نتيجة النجاح الذي حققته الدولة في السنوات الأخيرة في مجالات التشغيل والحماية الاجتماعية والحوار الاجتماعي وتطوير بيئة العمل والاستثمار.

تأتي مشاركة مصر هذا العام من منطلق القوة والثقة، مدعومة بتحقيق نتائج ملموسة تعكس رؤية الدولة تحت قيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي، بهدف بناء سوق عمل أكثر استقرارًا وقدرة على التكيف مع التغيرات العالمية، وترسيخ مفهوم العمل اللائق كأحد الأسس المهمة للتنمية المستدامة.

انخفاض معدل البطالة

يصعب تجاهل نجاح الدولة في خفض معدل البطالة إلى حوالي 6%، وهو يعد من أدنى المستويات التاريخية. يعد هذا الإنجاز ثمرة سنوات من الجهود المبذولة من خلال تنفيذ مشروعات تنموية شاملة في العديد من القطاعات، مما أدى إلى توفير ملايين فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.

تمثل هذه الجهود أيضًا توسيع الاستثمارات في مجالات مثل البنية التحتية، الصناعة، الطاقة، النقل، والإسكان. وعلى صعيد آخر، ساهمت برامج التدريب المهني في تعزيز قدرة سوق العمل على استيعاب الداخلين الجدد وزيادة الإنتاجية.

الاستراتيجية الوطنية للتشغيل

من بين المشاريع المهمة التي ستعرضها مصر في المؤتمر هي “الاستراتيجية الوطنية للتشغيل”، التي تمثل خطة شاملة حتى عام 2030 لبناء سوق عمل أكثر كفاءة ومرونة واستدامة.

تستهدف هذه الاستراتيجية توفير حوالي 1.4 مليون فرصة عمل سنويًا، وزيادة تشغيل العمالة المنتجة، وتعزيز مساهمة القطاعات الإنتاجية في توليد الوظائف، بالإضافة إلى الربط بين التعليم والتدريب ومتطلبات سوق العمل الحقيقي.

تركز الاستراتيجية كذلك على تنمية المهارات المستقبلية والاستعداد للاحتياجات الرقمية والتكنولوجية، وتشجيع ريادة الأعمال، ورفع كفاءة النظام المعلوماتي وقواعد بيانات التشغيل، مما يسهم في تعزيز قدرة التخطيط وصنع السياسات.

الحوار الاجتماعي والاستقرار

يُعَد المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي نموذجًا مثاليًا لتعزيز الحوار الاجتماعي بين أطراف العملية الإنتاجية، حيث تم إعادة تشكيله عام 2025 برئاسة وزير العمل. أصبح الآن منصة وطنية لمناقشة السياسات والتشريعات المتعلقة بالعمل.

أسهم المجلس في مناقشة مشروع قانون العمل الجديد، مما أدى إلى توافقات واسعة حول مواده. ذلك يعزز من استقرار سوق العمل ويرسخ ثقافة الحوار كعوامل أساسية للتنمية المستدامة.

تعزيز الحماية الاجتماعية والتمكين

أظهرت مصر تقدمًا ملحوظًا في مجالات الحماية الاجتماعية، التأمينات الاجتماعية، ورعاية فئات العمالة غير المنتظمة، بجانب دعم الأكثر احتياجًا.

بالإضافة إلى ذلك، تُركّز الدولة على تمكين المرأة اقتصاديًا من خلال تعزيز مشاركتها في سوق العمل، وتوسيع فرص التدريب للشباب، ودمج الأشخاص ذوي الإعاقة، وذلك بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة والمعايير الدولية.

تأثير الذكاء الاصطناعي على العمل

يتصدر مؤتمر هذا العام تقرير المدير العام لمنظمة العمل الدولية، بعنوان “لحظة اختيار: تسخير الذكاء الاصطناعي من أجل العمل اللائق”.

يشير التقرير إلى أن نحو 25% من الوظائف عالميًا معرضة للاحتواء من تقنيات الذكاء الاصطناعي، لاسيما في الدول ذات الدخل المرتفع، حيث تجاوزت النسبة 34%.

التقرير يؤكد أن التحول الرقمي لن يقتصر فقط على حذف بعض الوظائف، بل سيعيد تشكيل الملايين منها ويفتح المجال لوظائف جديدة، مما يستدعي استثمارات كبيرة في التدريب وإعادة التأهيل.

المساواة بين الجنسين

ناقش المؤتمر وثيقة تتعلق بتحقيق المساواة بين الجنسين في عالم العمل، حيث يُظهر الوضع القائم استمرار الفجوات بين الرجال والنساء.

تشير الدراسة إلى أن النساء لا يزالن أقل حضورًا في سوق العمل، مع تعرضهن لمجموعة من التحديات المتعلقة بالعقود غير الرسمية والأجور المنخفضة، حيث يسجل متوسط الحقوق القانونية 67 نقطة من 100 مقارنة بـ53 نقطة في التطبيق العملي.

اقتصاد المنصات الرقمية

تكشف المناقشات أيضًا عن تقرير حول تحقيق العمل اللائق في اقتصاد المنصات الرقمية، موضحة النمو السريع لهذا القطاع على مستوى العالم، خصوصًا في مجالات النقل والتوصيل والعمل الحر.

يُحذر التقرير من المخاطر المرتبطة بالحماية الاجتماعية، الاستقرار الوظيفي والأجور، إضافة إلى المخاوف من الاعتماد المتزايد على الخوارزميات في إدارة العمل.

الحوار الاجتماعي على الصعيد العالمي

يتناول المؤتمر كذلك تقريرًا حول مواكبة التحول عبر الحوار الاجتماعي الشامل، ويبرز أن الدول التي تمتلك مؤسسات حوار اجتماعي قوية كانت أكثر قدرة على مواجهة الأزمات الناتجة عن جائحة كورونا والتضخم والمشكلات المرتبطة بسلاسل الإمداد.

ملف العمال الفلسطينيين

يلقى ملف العمال الفلسطينيين اهتمامًا كبيرًا في المؤتمر، حيث تشير التقارير إلى وقوع أكثر من 81 ألف انتهاك في عام 2025، بالإضافة إلى معدلات مرتفعة من الشهداء والمصابين.

تراجع اقتصاد غزة بنسبة تزيد عن 84%، وبلغ تدني الناتج المحلي الفلسطيني نحو 24%. كما ارتفعت معدلات البطالة لتصل إلى 46% في فلسطين و78% في غزة، مما أدى إلى فقدان أكثر من 200 ألف عامل لوظائفهم.

تُقدر الخسائر السنوية بنحو 18 مليار شيكل، بينما تتجاوز تكلفة إعادة الإعمار 71 مليار دولار.

الحماية الاجتماعية على مستوى العالم

تشير تقارير منظمة العمل الدولية إلى أن أكثر من ملياري شخص حول العالم لا يتمتعون برعاية اجتماعية، مما يجعلها حاجة ملحة من الناحية الاقتصادية والتنموية.

الاقتصاد غير الرسمي والبطالة العالمية

أكد المؤتمر أن حوالي 2.1 مليار شخص يعملون في الاقتصاد غير الرسمي، بينما يعاني أكثر من 408 ملايين شخص من نقص في فرص العمل على مستوى العالم.

مصر ورؤية المستقبل

تشارك مصر في المؤتمر وهي تمتلك رؤية متكاملة في مجالات التشغيل والحماية الاجتماعية والحوار الاجتماعي. يُقدم الوفد المصري خلال المؤتمر نتائج ملحوظة تشمل تعزيز برامج الحماية الاجتماعية، خفض معدلات البطالة، إضافة إلى إطلاق الاستراتيجية الوطنية للتشغيل.

تشير المشاركة المصرية إلى أنها لا تقتصر على متابعة التحولات العالمية في أسواق العمل، بل تسهم أيضًا في صياغة مستقبل السياسات الدولية، مستندة إلى تجربة وطنية قوية تعزز مكانتها كشريك فاعل في تطوير نظام العمل على الصعيدين الإقليمي والدولي.

 

حاصل علي كلية الدراسات الإسلامية جامعه الازهر الشريف في القاهرة احب كتابة الأخبار والتريندات