على محك الأزمات.. سقطوا حين ثبتنا

على محك الأزمات.. سقطوا حين ثبتنا

في خضمِّ ما تعصف به المنطقة من أحداثٍ جيوسياسيَّة متلاحقة، وما طال بلادنا المملكة العربيَّة السعوديَّة من اعتداءاتٍ غاشمةٍ، رأينا وبرز لنا مشهدٌ لافتٌ يستحقُّ الوقوف عنده طويلًا. مشهدٌ مخزٍ وغريبٌ ولكن ليس مستغرَبًا، ليس لأنَّ تلك الاعتداءات أحدثت اضطرابًا في الداخل، فهي -بكلِّ تأكيد- لم ولن تفعل، بل لأنَّ وقعها الحقيقي انكشف في مرآة ردود الفعل من خارج الحدود.
لقد مضتِ الحياة في المملكة كما هي، لم يتزعزع أمنٌ، لم يختل إيقاعُ يومٍ، لم يشعر المواطنُ بثقلِ الخوف أو وطأةِ القلق. وكأنَّ هذه البلاد بقيادتها وشعبها قد بلغت من الثبات؛ ما يجعلها تعبر العواصف دون أنْ تخلع جذورها، أو تفقد توازنها. وهذه في حد ذاتها شهادة قوَّة لا تُمنح إلَّا للأوطان الرَّاسخة وللأساس المتين.
غير أنَّ ما أثار الدهشة، أو لنقل ما تبقَّى منها، هو ما انكشف من ردود فعلٍ مؤلمة خرجت من بعض من ظنناهم يومًا أقرب النَّاس وجدانًا ومصيرًا. كلمات مشبعة بالتَّشفي، مظاهر فرحٍ لا تخفى، بل وتمنٍ صريح بامتداد الأذى. كل ذلك تردَّد صداه في منصَّات التواصل وحتى بأهازيج مضحكة وسخيفة، تحوَّلت جميعها إلى سلوكٍ علنيٍّ لا يقبل التأويل أو التبرير.
وهنا تتجلَّى المفارقة، فهذه المواقف لم تأتِ من فراغٍ، ولكنَّهَا صدرت من شعوبٍ امتدَّت إليها يد المملكة طويلًا بالعون مالًا وعلمًا وموقفًا. من الشمال العربيِّ إلى جنوبه، ومن المغرب إلى المشرق، فكانت بلادنا دائمًا -ولازالت- في موقع المبادِر، لا المتردِّد. ومع كلِّ ذلك، خرج من بين تلك المساحات مَن يختار أنْ يردَّ الإحسانَ بغيرِ ما يليق. ويصدق فيهم قولُ الشَّاعر محمد الجربا:
“كُنْ مِلْحَ جُدودِنَا مِلحَ بارودٍ
كلُّ الذِي ذَاقُوه ثَارُوا عَلينَا”
وهو بيتٌ لا يصف خذلانًا عابرًا، ولكنَّه يلخِّص سلوكًا متكرِّرًا، فيه تحوًّل المعروف في نظر بعضهم إلى دَينٍ يُراد التمرُّد عليه، لا إلى فضلٍ يُقابل بالوفاء. وهنا لا يعود الصَّمتُ حكمةً، ولا التغاضي فضيلةً، بل يصبح إعادة قراءة المواقف ضرورةً ملزمةً علينا، وأيضًا ضبط العلاقة وفق ما تكشفه الحقائقُ، لا ما تمليه العواطفُ.
وحتى إنْ لم يكن هذا المشهد مفاجئًا تمامًا، فإنَّه أعاد تذكيرنا بحقيقةٍ قديمةٍ، صاغها الشَّاعرُ بقوله:
“إِذَا أَكْرَمتَ الكَرِيمَ مَلكْتَهُ
وَإِذَا أَكْرَمتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدَا”
وكأنَّ بعض النفوس لا تقرأ المعروف إلَّا بوصفه ضعفًا، ولا تفهم الكرم إلَّا بوصفه قابليَّة للاستغلال.
ومع ذلك، فإنَّ بلدنا -قيادةً وشعبًا- لم ولن تتخلَّى عن نهجها ،ولم تنحدر إلى مستوى تلك الردود. فما زال التعامل قائمًا على ما يمليه الضميرُ، وما ترسِّخه القيم، وما توجِّه به القيادة من حكمة واتزان. فنحن قومٌ لا نُغيِّر معدننا؛ لأنَّ غيرنا اختار أنْ يُظهر ما فيه، لكنَّنا في الوقت ذاته لا نغفل، ولا نُلدغ مرَّتين، ولا نمنح الثقة ذاتها لمن أسقطها بيده.
لقد كشفت هذه الأحداثُ، وإنْ لم تكن أزمةً بمعناها الحرفيِّ، عن معادن الرجال ومكنونات الصدور. وربما كانت هذه اللحظة فاصلةً نُعيد فيها ترتيب المشهد، ونُميِّز فيها بوضوح بين مَن يقف معنا، ومَن يقف علينا، بين مَن يحفظ الودَّ، ومَن ينقلب عليه.
وفي النهاية، يبقى شعارنا أصدق تعبير: سيفان ونخلة تُهدى لمن يستحق. لكنَّها اليوم أوضح من أيِّ وقتٍ مضى السيف حاضرٌ لمَن يُضمر الشَّر ويتجاوزه إلى الفعل أو التشفِّي، والنخلة لا تُمنح إلَّا لمن يشكر ثمارها. أمَّا مَن اختار موقعه بوضوح، فسيُعامل بما اختار، لا بما كنَّا نأمل فيه.

حاصل علي كلية الدراسات الإسلامية جامعه الازهر الشريف في القاهرة احب كتابة الأخبار والتريندات