في الصباح الباكر، وقبل أن تشتد حرارة الشمس فوق سهول غرب تركيا، يقف الزائر أمام بوابات مدينة أفسس الأثرية وكأنه على موعد مع آلة زمن لا تحتاج إلى أزرار، وعندما يعبر نقاط التفتيش الحديثة، حتى تتلاشى ملامح القرن الحادي والعشرين، لتحل محلها شوارع رخامية وأعمدة شاهقة ومباني تروي حكاية مدينة كانت يومًا من أعظم مدن العالم القديم.
تبدأ الرحلة من الطريق المقدس الذي كان يربط المدينة بمعبد أرتميس، أحد عجائب الدنيا السبع القديمة، وهناك لا تبدو الحجارة مجرد آثار صامتة، بل صفحات مفتوحة من تاريخ امتد لأكثر من ألفي عام.

– مركز تجاري مزدهر يربط الشرق بالغرب
تأسست أفسس في القرن العاشر قبل الميلاد، وتحولت بفضل موقعها عند ساحل بحر إيجة إلى مركز تجاري مزدهر يربط الشرق بالغرب، حتى أصبحت ميناء تستقبل عشرات الآلاف من السفن، بينما مر بها قادة عظام مثل الإسكندر الأكبر وأنطونيو وكليوباترا، تاركين بصماتهم على المدينة.
ومع السير بين شوارعها، يبدو شارع كوريتس وكأنه لا يزال يحتفظ بصدى خطوات التجار والنبلاء، الرخام الذي يكسو الطريق، والتماثيل التي تصطف على الجانبين، والمباني التي كانت تتزين يومًا بالألوان الزاهية، كلها تمنح الزائر شعورًا بأن المدينة لم تمت، بل توقفت عقارب الزمن داخلها فقط.

– أبرز ملامح مدينة أفسس
وفي منتصف الطريق يظهر معبد هادريان بأعمدته الكورنثية وقوسه المزخرف بصورة ميدوسا، وكأنه يعلن عن براعة الرومان في العمارة والفنون، لكن المشهد الأكثر إبهارًا ينتظر الزائر عند مكتبة سيلسوس، أشهر معالم أفسس وأكثرها تصويرًا، وعلى الرغم من أن الحريق الذي اندلع في القرن الثالث الميلادي التهم آلاف المخطوطات، بقيت واجهتها الرخامية شامخة، لتصبح رمزًا خالدًا للحضارة الرومانية.
وعلى الجانب المقابل، تكشف المدينة وجهًا آخر من الحياة اليومية، فبقايا النقوش الحجرية التي يعتقد أنها من أقدم الإعلانات التجارية في التاريخ، تحكي أن أفسس لم تكن مدينة للعلم والتجارة فقط، بل مدينة نابضة بالحياة بكل تفاصيلها الإنسانية.

– منتديات اجتماعية وسياسية داخل الحمامات!
وتستمر الحكاية داخل الحمامات الرومانية، حيث لم تكن الحمامات مجرد مكان للنظافة، بل منتديات اجتماعية وسياسية يلتقي فيها الرجال لتبادل الأخبار ومناقشة شؤون الإمبراطورية، أما بيوت الشرفات، بما تضمه من فسيفساء ولوحات جدارية وأنظمة متطورة للمياه الساخنة والباردة، فتروي كيف عاش الأثرياء حياة تفيض بالرفاهية قبل نحو ألفي عام.
اقرأ ايضا| حكاية القصر الذي شهد مجد صاحبه ونهايته المأساوية
ومع كل خطوة، يكتشف الزائر أن أفسس لم تكن مجرد مدينة وثنية، بل تحولت لاحقًا إلى أحد أهم مراكز المسيحية المبكرة، ففيها قضى الرسول بولس سنوات من الدعوة، وعلى مقربة منها يقع بيت السيدة مريم العذراء، الذي يقصده آلاف الحجاج سنويًا، لتكتسب المدينة بعدًا روحيًا يضاف إلى قيمتها التاريخية.

– كيف تحولت المدينة إلى أطلال؟
ثم يقود الطريق إلى المسرح الكبير، الذي يتسع لنحو 25 ألف متفرج، حيث كانت تقام العروض المسرحية والمهرجانات، قبل أن يتحول لاحقًا إلى ساحة لمعارك المصارعين، ومن فوق مدرجاته المرتفعة يمكن تخيل صخب الجماهير وهي تتابع أحداثًا صنعت جزءًا من تاريخ الإمبراطورية الرومانية.
لكن الزمن، الذي منح أفسس كل هذا المجد، كان أيضًا سبب أزماتها، فقد دفعت الرواسب الطينية مياه البحر بعيدًا عن الميناء شيئًا فشيئًا، حتى فقدت المدينة أهم أسباب ازدهارها، وهجرها السكان تدريجيًا خلال العصور اللاحقة، لتتحول إلى أطلال دفنتها القرون، قبل أن تعيد أعمال التنقيب اكتشافها من جديد.

– مدينة تحدت الزمن
واليوم، لا تزال أفسس تستقبل ملايين الزوار سنويًا، فيما تدرس السلطات التركية مشروعًا لإعادة ربط المدينة بالبحر عبر قناة مائية جديدة، في محاولة لإحياء جزء من المشهد الذي عرفته قبل أكثر من ألفي عام.
ولا تبدو زيارة أفسس مجرد جولة بين الآثار، بل رحلة داخل حكاية مدينة تحدت الزمن، فكل عمود يحمل ذكرى، وكل شارع يروي قصة، وكل حجر يهمس بأن الحضارات قد تغيب، لكنها لا تموت ما دامت آثارها قادرة على أن تروي قصتها للأجيال.


تعليقات