عودة المستثمرين.. هل تنقذ أموال العائدين الاقتصاد الأفغاني؟ | اقتصاد

عودة المستثمرين.. هل تنقذ أموال العائدين الاقتصاد الأفغاني؟ | اقتصاد

لم تكن عودة محمد خاطر من مدينة بيشاور الباكستانية إلى ولاية ننغرهار شرقي أفغانستان مجرد انتقال جغرافي، بل محاولة لإعادة بناء نشاط تجاري راكمه خلال سنوات من العمل في تجارة الأقمشة بين الصين واليابان والأسواق الباكستانية.

خاطر، الذي عمل في تجارة الأقمشة واستيرادها عبر شبكات إقليمية، يسعى اليوم إلى نقل خبرته إلى الداخل الأفغاني، مستفيداً من علاقاته التجارية ومعرفته بسلاسل التوريد في المنطقة، ويقول للجزيرة نت إن عودته جاءت في وقت يواجه فيه كثير من الأفغان صعوبات في إيجاد فرص عمل مستقرة، لكنه يرى في خبرته فرصة لبداية جديدة داخل السوق المحلية.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

تشهد أفغانستان منذ عام 2023 واحدة من أكبر موجات العودة في تاريخها الحديث، إذ عاد أكثر من 6.04 ملايين أفغاني من إيران وباكستان حتى مايو/أيار 2026، وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة.

خبرات ورؤوس أموال

على الرغم من أن هذه العودة الواسعة تفرض ضغطا على سوق العمل والخدمات العامة، فإنها تكشف في الوقت نفسه عن فئة من العائدين تشمل تجاراً وصناعيين وحرفيين عادوا بخبرات مهنية ورؤوس أموال اكتسبوها خلال سنوات الإقامة في الخارج.

وتشير مؤشرات رسمية إلى أن بعض هذه الخبرات بدأت تتحول إلى استثمارات فعلية داخل البلاد، إذ أعلنت وزارة الصناعة والتجارة اعتماد استثمارات تتجاوز 26 مليون دولار لسبعة رجال أعمال وصناعيين عائدين من إيران وباكستان، في قطاعات تشمل الصناعات الغذائية والمنتجات البلاستيكية والتخزين البارد والصناعات التحويلية.

ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول قدرة الاقتصاد الأفغاني على تحويل موجة العودة إلى فرصة تنموية، عبر استثمار الخبرات ورؤوس الأموال القادمة من الخارج في مشاريع إنتاجية تسهم في خلق فرص العمل وتنشيط الاقتصاد المحلي.

مولوي أحمد الله زاهد، نائب وزير الصناعة والتجارة، يؤكد أن السلطات تسعى إلى تشجيع المستثمرين العائدين على توطين مشاريعهم داخل أفغانستان_ وزارة الصناعة والتجارة
مولوي أحمد الله زاهد، نائب وزير الصناعة والتجارة، يؤكد تشجيع العائدين على توطين مشاريعهم (وزارة الصناعة الأفغانية)

توطين الاستثمارات

في ظل تزايد أعداد العائدين، تحاول الحكومة الأفغانية تحويل هذه الموجة إلى فرصة اقتصادية عبر تشجيع رجال الأعمال والصناعيين على إعادة توطين استثماراتهم داخل البلاد وتسهيل إجراءات عملهم.

يقول مولوي أحمد الله زاهد، نائب وزير الصناعة والتجارة الأفغاني للجزيرة نت إن الحكومة الأفغانية تعمل على تحويل موجة عودة رجال الأعمال والصناعيين إلى فرصة اقتصادية من خلال تسهيل إجراءات الاستثمار وإعادة توطين رؤوس الأموال التي غادرت البلاد خلال السنوات الماضية.

ويضيف زاهد أن لجنة تنظيم وتسهيل شؤون التجار والصناعيين العائدين تدرس ملفات المستثمرين بشكل دوري، بهدف تسريع المصادقة على المشاريع القابلة للتنفيذ وتقليل العقبات الإدارية أمامهم، بما يسمح ببدء النشاط الإنتاجي في أسرع وقت ممكن.

ويوضح أن الوزارة وافقت مؤخرا على استثمارات تتجاوز 26 مليون دولار لعدد من رجال الأعمال والصناعيين العائدين من إيران وباكستان، موزعة على قطاعات صناعية متعددة، تشمل الصناعات الغذائية، والمنتجات البلاستيكية، والتخزين البارد، وصناعة مواد استهلاكية متنوعة.

ويشير إلى أن هذه الاستثمارات، رغم أنها ما تزال في مراحلها الأولى، تمثل خطوة نحو إعادة تنشيط القطاع الصناعي المحلي، وتوسيع قاعدة الإنتاج داخل البلاد، خصوصاً في ظل الحاجة إلى مشاريع توفر فرص عمل وتقلل الاعتماد على الواردات.

ويؤكد زاهد أن الحكومة الأفغانية تنظر إلى العائدين من رجال الأعمال باعتبارهم شريكاً محتملاً في عملية التعافي الاقتصادي، نظرا لما يمتلكونه من خبرات وشبكات تجارية اكتسبوها خلال سنوات عملهم خارج البلاد، مشددا على أن نجاح هذه المشاريع مرتبط بتطوير البيئة الاستثمارية وتوفير الدعم اللازم لضمان استدامتها.

وتتوزع هذه الاستثمارات على قطاعات متعددة، من بينها الصناعات الغذائية، وإنتاج وتغليف الهواتف المحمولة، وصناعة الشحوم ومضادات التجمد، والمواد البلاستيكية، والمنتجات الورقية، والتخزين البارد، إضافة إلى صناعات استهلاكية أخرى.

ورغم هذه المؤشرات، يرى مراقبون أن تحويل هذه الاستثمارات إلى مشاريع قادرة على خلق تأثير اقتصادي واسع لا يزال مرهوناً بمدى قدرة الحكومة على توفير بيئة مستقرة، وضمان تدفق التمويل، وتطوير البنية التحتية الداعمة للقطاع الصناعي.

 

Afghan women work at a dry fruit factory in Mazar-i-Sharif on July 6, 2026.
أصحاب رؤوس الأموال والخبرات الإدارية قادرون على خلق قيمة مضافة إذا توفرت لها الظروف الاقتصادية المناسبة (الفرنسية)

بين الخبرة والقدرة الاستيعابية

يقول الخبير الاقتصادي الأفغاني محمد محمدي للجزيرة نت إن عودة رجال الأعمال والمستثمرين إلى أفغانستان لا يمكن قراءتها فقط من زاوية حجم الاستثمارات المعلنة، بل من خلال قدرة الاقتصاد المحلي على استيعاب هذه الخبرات وتحويلها إلى قيمة إنتاجية مستدامة.

ويشير إلى أن العائدين الذين يمتلكون خبرات مهنية وتجارية يمكن أن يشكلوا إضافة حقيقية للاقتصاد، لكن هذا الأثر يظل مرتبطاً بحجم السوق المحلية، وتوفر التمويل، واستقرار البيئة الاستثمارية.

ويضيف أن هناك فرقا جوهريا بين عودة العمالة الباحثة عن فرص عمل، وعودة أصحاب رؤوس الأموال والخبرات الإدارية، موضحا أن الفئة الثانية قادرة على خلق قيمة مضافة إذا توفرت لها الظروف الاقتصادية المناسبة.

لكن محمدي يحذر في الوقت نفسه من المبالغة في تقدير أثر هذه العودة، مشيراً إلى أن الاقتصاد الأفغاني لا يزال يواجه تحديات بنيوية، أبرزها ضعف النظام المصرفي، وصعوبة الوصول إلى التمويل، وتراجع الاستثمارات الخارجية.

ويؤكد أن تحويل موجة العودة إلى فرصة اقتصادية يتطلب سياسات واضحة لدعم الاستثمار، وربط الخبرات العائدة بسوق العمل المحلي، وتوفير بيئة تنظيمية مستقرة تسمح بنمو المشاريع بدل بقائها في نطاق محدود.

عودة الخبرات

يقول مستشار غرفة التجارة والاستثمار الأفغانية، خان جان ألكوزي للجزيرة نت إن جزءا من التجار والصناعيين الذين كانوا يديرون ورشاً ومصانع صغيرة في باكستان بدأوا بالفعل بنقل أنشطتهم إلى الداخل الأفغاني، مستفيدين من خبراتهم السابقة في الإنتاج والتوزيع.

ويشير إلى أن هذه الأنشطة تتركز غالباً في الصناعات الخفيفة والمشاريع الصغيرة، مثل الأقمشة والأحذية والمنتجات البلاستيكية والاستهلاكية.

لكنه يؤكد أن هذا التحول لا يزال محدوداً، إذ إن الجزء الأكبر من الاستثمارات الأفغانية في الخارج لم يُنقل بعد إلى الداخل، خصوصاً في باكستان، بسبب تحديات تتعلق بالتمويل والبنية التحتية وصعوبة التوسع.

ويرى أن العائدين ذوي الخبرة يمثلون فرصة مهمة للاقتصاد المحلي، لكنها تحتاج إلى دعم مؤسسي وسياسات اقتصادية واضحة لتحويل المبادرات الفردية إلى نشاط اقتصادي مستدام.

Afghan women work at a carpet factory in the Nahr-e-shahi district of Afghanistan's Balkh province on July 6, 2026.
مصنع للسجاد بولاية بلخ الأفغانية (الفرنسية)

نماذج من العائدين

إلى جانب التصريحات الرسمية والأرقام، تظهر على الأرض نماذج محدودة لعائدين أعادوا تشغيل أنشطة اقتصادية كانوا يديرونها في الخارج، خصوصاً في مجالات الطباعة على الأقمشة، والتجارة، والخدمات الحرفية والصناعات الصغيرة.

وفي عدد من الولايات الأفغانية، عاد تجار وحرفيون إلى فتح ورش صغيرة، أو إعادة إحياء أعمال عائلية، مستفيدين من خبراتهم السابقة في أسواق مثل باكستان وإيران، حيث اكتسبوا مهارات في الإنتاج وإدارة التوزيع وسلاسل التوريد.

ورغم أهمية هذه التجارب، فإنها لا تزال فردية ومحدودة التأثير، ولا ترقى إلى تشكيل قطاع اقتصادي متكامل قادر على إحداث تحول واسع.

ورغم هذه المؤشرات، يواجه مسار تحويل خبرات العائدين إلى مشاريع اقتصادية مستدامة مجموعة من العقبات البنيوية، من أبرزها:

  • صعوبة الحصول على التمويل اللازم لبدء أو توسيع المشاريع.
  • ضعف البنية التحتية الداعمة للأنشطة الصناعية والتجارية.
  • محدودية البيئة الاستثمارية.
  • ضغط سوق العمل وارتفاع معدلات البطالة.

وتؤثر هذه التحديات ليس فقط على حجم الاستثمارات الجديدة، بل أيضاً على قدرة المشاريع القائمة على النمو والتحول إلى أنشطة إنتاجية واسعة.

وبين موجة عودة واسعة من الخارج، واستثمارات محدودة بدأت تتشكل داخل البلاد، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة الاقتصاد الأفغاني على تحويل هذه الخبرات ورؤوس الأموال إلى فرصة تنموية حقيقية.

وبين وعود التسهيل الحكومية، وقيود الواقع الاقتصادي، تقف تجربة العائدين عند مفترق طرق: إما أن تتحول إلى رافعة إنتاجية، أو تبقى مبادرات فردية محدودة الأثر.

أحمد ماجد حاصل على بكالوريوس علوم وتكنولوجيا يعمل كاتب في موقع الرسالة نيوز الإخباري

كل مقالات الكاتب

أحمد ماجد حاصل على بكالوريوس علوم وتكنولوجيا يعمل كاتب في موقع الرسالة نيوز الإخباري