بعد عام ونصف على التحرير وسقوط نظام الأسد.. هل أصبحت سوريا آمنة؟ وبالتالي، هل سوريا مهيأة لاستقبال الاستثمارات؟
سؤال أساسي لتقييم الواقع واستشراف تحديات المستقبل والحلول الناجعة لها، حيث لا يمكن التعافي في سوريا سياسيا واقتصاديا ولا حتى اجتماعيا دون ضبط المشهد الأمني في البلاد.
انفجارات في دمشق صباح 7 يوليو/تموز 2026 بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا ولقائه بالرئيس أحمد الشرع.
وقبلها بأقل من أسبوع تفجير بنفس الطريقة تقريبا قرب القصر العدلي وسط دمشق، وكان الحديث من وقتها قد بدأ عن زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق، وعن لقاء سيجمع الرئيس السوري مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في أنقرة على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو).
نستطيع القول: إن هناك دعما سياسيا غربيا مستقرا يكاد لا يتأثر بالمشهد الأمني، فضلا عن إعلان الإليزيه توقيع الاتفاقيات الاقتصادية وبدء العمل على إعادة 51 مليون يورو لدمشق من أصول مصادرة لعائلة الأسد
تحدثت مصادر عن عدم استجابة الرئيس ماكرون لتحذيرات الاستخبارات الفرنسية، وإصراره على زيارة سوريا، بينما كان الموقف منه صريحا بعد تفجيرات قريبة من موقع إقامته في فندق فور سيزون بدمشق بأن زيارته لسوريا مستمرة وفق الجدول المقرر لها دون أي إلغاء أو تعديل.
وعليه نستطيع القول: إن هناك دعما سياسيا غربيا مستقرا يكاد لا يتأثر بالمشهد الأمني، فضلا عن إعلان الإليزيه توقيع الاتفاقيات الاقتصادية وبدء العمل على إعادة 51 مليون يورو لدمشق من أصول مصادرة لعائلة الأسد.
الأمر الذي يعني أن الشراكة الغربية في مسار التعافي والاستقرار، بأدوات سياسية واقتصادية، وقبل ذلك بشراكة أمنية بدأتها الحكومة السورية مع الغرب منذ توقيعها نهاية عام 2025 على الانضمام للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش لتكون الشريك رقم 90 في التحالف الأمني العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية.
ومع ذلك فإن الدعم السياسي، والشراكات الأمنية الإقليمية والدولية، وحتى الدعم الاقتصادي على محدوديته حتى الآن، لا يسد بشكل كامل الفجوات الأمنية التي خلقتها حالة الفوضى التي استمرت في البلاد لأكثر من 14 عاما.
فضلا عن وجود أطراف متضررة من الانتقال السياسي الذي شهدته سوريا والمنطقة، وغير فيها موازين القوى والتحالفات إقليميا ودوليا، وهذه الأطراف ستحاول الاستثمار في الفوضى وتأخير صورة التعافي والاستقرار.
الدعم السياسي، والشراكات الأمنية الإقليمية والدولية، وحتى الدعم الاقتصادي على محدوديته حتى الآن، لا يسد بشكل كامل الفجوات الأمنية التي خلقتها حالة الفوضى التي استمرت في البلاد لأكثر من 14 عاما
تقييم المشهد الأمني السوري
كان القطاع الأمني أكثر القطاعات التي عملت الحكومة السورية على بنائها، ساعدها في ذلك أن وزارتي الداخلية والدفاع والمؤسسات الأمنية المرتبطة بهما انهارت تماما بسقوط نظام الأسد وأعادت الحكومة المؤقتة بناءهما من جديد، فقد تحررت الحكومة فيهما من إرث النظام السابق سواء بالنظم الإدارية أو الكوادر البشرية.
في المقابل واجهت الجهود الحكومية خلال عام ونصف بعد سقوط نظام الأسد مجموعة واسعة من المعوقات، منها الاشتباكات التي حدثت قبيل إدماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مع الحكومة السورية، واستمرار أزمة السويداء، والتدخلات الإسرائيلية المستفزة جنوب البلاد، والتوترات الطائفية التي تشهدها بعض مناطق البلاد وأهمها الساحل السوري.
من تفجير كنيسة، إلى حوادث خطف وقتل مستمرة في مختلف المناطق، إلى قصف إسرائيلي معلن وسط دمشق واستمرار الخروقات الإسرائيلية على الحدود، إلى مواجهات دامية في الساحل والسويداء والشيخ مقصود في حلب ثم في الرقة والحسكة، إلى رمي مقذوفات صاروخية محلية الصنع غرب دمشق، إلى اغتيالات عناصر وضباط في حلب، ثم تفجيرات وضح النهار في دمشق.
لا يمكن تقييم المشهد الأمني في سوريا بأنه مستقر، ولا يمكن قياس كثرة هذه الحوادث وتواليها مع حوادث أمنية تشهدها البلاد المستقرة بين فترة وأخرى نتيجة أعمال إرهابية أو عبث منظم.
وعليه: نستطيع أن نتحدث عن جهود حكومية كبيرة في الجانب الأمني، مدعومة بشراكات إقليمية ودولية مميزة، لكننا في الوقت نفسه نشهد فراغا أمنيا أو فجوات تسمح بحدوث تفجيرات وخلل أمني بين فترة وأخرى؛ نتيجة كثرة التحديات وحاجة المشهد الأمني إلى جهد أكبر ووقت أكثر لسد هذه الثغرات.
نستطيع أن نتحدث عن جهود حكومية كبيرة في الجانب الأمني، مدعومة بشراكات إقليمية ودولية مميزة، لكننا في الوقت نفسه نشهد فراغا أمنيا أو فجوات تسمح بحدوث تفجيرات وخلل أمني بين فترة وأخرى
ما تحتاجه الحكومة
ما تزال القوات الأمنية الحكومية في سوريا قيد البناء والتطوير، مع فرص كبيرة تساعدها في معالجة نقاط الضعف الداخلية وتجاوز التحديات الكثيرة والمعقدة في سوريا.
من نقاط الضعف التي تحتاج الحكومة السورية إلى معالجتها في عملية بناء المنظومة الأمنية حداثة العهد وقلة الخبرة في المجال الأمني على مستوى إدارة الدولة ومؤسساتها وإدارة اختلاف المناطق فيها.
أيضا فإن الحكومة السورية ما تزال بحاجة إلى الوقت والجهد للانتقال إلى عمل مؤسساتي يتسم بالشفافية الإدارية والمالية، وبعيدا عن المقارنات إلا أن الحقيقة التي شهدتها سوريا تقول: إن الفساد كان أكبر عوامل تسارع انهيار النظام السابق وتآكله، وهذا وإن كان ينطبق على كافة مؤسسات الدولة وأجهزتها؛ إلا أنه في الحالة الأمنية أشد حساسية وخطرا.
في المقابل تحظى سوريا أكثر من أي وقت مضى بفرص عظيمة تساعدها، فالتوجه الإقليمي والدولي اليوم يعمل على تحويل سوريا من ساحة صراع وخلل إقليمي، إلى محور أمن واستقرار إقليمي ودولي.
الحكومة السورية ما تزال بحاجة إلى الوقت والجهد للانتقال إلى عمل مؤسساتي يتسم بالشفافية الإدارية والمالية
ومن خلال إدراك نقاط القوة ونقاط الضعف، وفهم المتغيرات والمدخلات السياسية والاقتصادية، ومعرفة التحديات الأمنية بتفاصيلها الدقيقة، يمكن تقدير مجموعة من الإجراءات والسياسات الأمنية التي تحتاجها الحكومة السورية، أهمها:
- ضبط الحدود بشكل عام ومع لبنان والعراق بشكل خاص؛ إذ إن الإجراءات التقليدية في ضبط الحدود ليست كافية أمام خريطة التغيرات التي شهدتها المنطقة (سوريا والدول المحيطة بها).
فالمتضررون من سقوط نظام الأسد سيعملون على إبقاء خطوط تهريب البشر والأسلحة والمخدرات عبر سوريا، وسيحاولون الحفاظ على مصالحهم من خلال الاستثمار بالعبث والفوضى. - شراكات إقليمية ودولية تثمر تطويرا تقنيا ولوجستيا في المجالات الأمنية المختلفة. فالأمن والاستقرار الإقليمي والدولي انطلاقا من سوريا يفرض على الشركاء من دول المنطقة والقوى الكبرى، دعما تقنيا ولوجستيا للقطاع الأمني، لتصبح الحكومة السورية قادرة بأدوات تقنية متطورة على ضبط الحدود ثم ضبط مداخل المدن والأحياء الرئيسية فيها، وملاحقة وتفكيك جميع الخلايا والمجموعات العابثة.
- إدماج حقيقي وفاعل للسلاح والمسلحين ضمن القوات الحكومية، فلا يمكن الحديث عن الانضباط الأمني دون تحقيق مبدأ احتكار الدولة للعنف ولحق استخدام السلاح.
الأمر الذي يحتاج جهودا أكبر لإدماج الفصائل المسلحة التي كانت منضوية تحت قوى المعارضة بشكل كامل في مؤسسات الدولة تنظيميا وسلوكيا، وجهودا أكبر لإدماج “قسد” في القوى الأمنية والعسكرية بشكل فعلي، ثم حل مشكلة السويداء فلا تبقى أي مجموعات مسلحة خارج إطار الدولة.
وذلك إلى جانب الانتقال إلى خطة واسعة لجمع السلاح المنفلت والمخبأ هنا وهناك على مستوى فردي أو مستوى خلايا ومجموعات. - تحقيق العدالة الانتقالية والسلم الأهلي في المجتمع، بشكل واضح ومعلن وشفاف، بما يعزز الثقة المجتمعية وبناء رأس المال الاجتماعي الإيجابي، ويجعل المجتمع بأفراده وقواه المنظمة شريكا في حفظ الأمن والاستقرار بدلا من أن يكون ضاغطا على الدولة ومربكا لها، وسببا من أسباب الفوضى.
تحتاج الحكومة السورية إلى حوارات مجتمعية تخلق عقدا اجتماعيا جديدا، ومساعدة المجتمع المدني في تنظيم مشاركته السياسية، لمنع أي استثمار تحاوله جهات خارجية أو داخلية في مشكلات مجتمعية ما تزال قائمة، أو نعرات طائفية أو إثنية أو مناطقية يمكن أن تغذيها أطراف لا يسرها أو يخدم مصالحها الاستقرار في سوريا.
الموقف الإقليمي والدولي سيقوي ثقة الأجهزة الأمنية وعزيمتها لإكمال جهودها الكبيرة في ضبط الأمن والاستقرار رغم التحديات والعقبات، إضافة إلى الدعم المباشر الذي سيتاح للحكومة السورية من شركائها الإقليميين والدوليين
سوريا آمنة تعددية
“لا شيء يمكنه أن يخمد تطلعات السوريين والسوريات للعيش في سوريا آمنة وتعددية وموحدة وذات سيادة كاملة”، هذا أول تعليق للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عقب تفجيرات دمشق، عبر حسابه الرسمي على منصة إكس، مؤكدا استمرار جدول أعماله دون تراجع.
وبالتالي فإن التفجيرات فشلت مجددا في رسائلها السياسية، وفي عرقلة مسار تقدم سوريا نحو التعافي بدعم إقليمي ودولي لم يتأثر، بل ستكون التفجيرات محفزا للحكومة السورية ولشركائها الإقليميين والدوليين في دعم جهود الضبط الأمني وإجراءات الحماية للوفود والبعثات التي ستتابع قدومها إلى سوريا وزياراتها إلى دمشق.
إن الموقف الإقليمي والدولي سيقوي ثقة الأجهزة الأمنية وعزيمتها لإكمال جهودها الكبيرة في ضبط الأمن والاستقرار رغم التحديات والعقبات، إضافة إلى الدعم المباشر الذي سيتاح للحكومة السورية من شركائها الإقليميين والدوليين، على مستوى فني وتقني وعلى مستوى التدريب والتأهيل للكوادر الأمنية.
وأخيرا فإن شراكة المجتمع وقواه الوطنية ستكون عاملا إضافيا في سد الثغرات الأمنية ويغلق الباب أمام الأطراف التي تحاول منع الاستقرار أو تأخيره خدمة لمصالحها وأجنداتها الخاصة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
