Published On 7/7/2026
بينما تتجه الأنظار العالمية إلى أزمات أخرى، يقترب السودان من فصل جديد من الكارثة الإنسانية. وفي مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، تتقاطع التحذيرات الأممية مع انتقادات لمواقف عواصم الدول الغربية المؤثرة من الصراع في مشهد يعيد إلى الأذهان الفظائع التي شهدتها مدينتا الفاشر والجنينة في إقليم دارفور.
ناقوس الخطر في الأُبَيِّض
وتتصاعد المخاوف الدولية من أن تتحول مدينة الأبيض -التي تعد أحد أهم المراكز الإنسانية والتجارية في السودان- إلى مسرح لمجازر واسعة النطاق مع احتدام المعارك واقتراب قوات الدعم السريع من المدينة، في وقت تؤكد فيه الأمم المتحدة أن نحو نصف مليون مدني باتوا معرضين لخطر الفظائع الجماعية.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
هذا الواقع المأساوي، تناولته بالتحليل صحيفتا الغارديان وفايننشال تايمز البريطانيتان، وحذرت منظمة “أنقذوا الأطفال” من تداعياته على الفئة الأضعف من سكان المدينة.
ففي مقال افتتاحي، اعتبرت صحيفة الغارديان ما يجري في السودان يمثل انهيارا جديدا لوعد المجتمع الدولي بعدم السماح بتكرار مآسي دارفور.
وتقول الصحيفة إن العالم رفع قبل عقدين شعار “لن يتكرر أبدا”، لكن الوقائع تثبت اليوم أن المأساة تتكرر مرة بعد أخرى، بينما يظل الاهتمام الدولي بها محدودا.
هناك حملات داخل الولايات المتحدة تطالب شركات ومؤسسات كبرى بإعادة النظر في علاقاتها مع الأطراف الإقليمية المتهمة بالتورط في حرب السودان، مشيرة إلى أن تقاعس الحكومات دفع المنظمات الأهلية والمشاهير لملء الفراغ
وتحذر الصحيفة من أن مدينة الأبيض تواجه خطر التحول إلى مسرح لجرائم جماعية، في ظل اقتراب قوات الدعم السريع، واستمرار هجمات المسيرات، وتضييق الخناق على المدينة.
لكنها تعتبر أن الأزمة لا تعود فقط إلى تعنت طرفي الحرب، بل أيضا إلى استمرار الدعم الخارجي الذي يسمح بإطالة أمد النزاع، منتقدةً تردد الحكومات الغربية في ممارسة ضغوط حقيقية على جهات إقليمية متهمة بتغذية الصراع.
وترى الصحيفة أن حساسية تلك الجهات الإقليمية تجاه صورتها الدولية تجعل الضغط السياسي والاقتصادي والإعلامي أكثر تأثيرا مما يُعتقد.
واستشهدت الافتتاحية بحملات بدأت بالفعل داخل الولايات المتحدة لمطالبة شركات ومؤسسات كبرى بإعادة النظر في علاقاتها مع أطراف إقليمية متهمة بالتورط في حرب السودان، مشيرة إلى أن تقاعس الحكومات هو الذي يدفع منظمات المجتمع المدني والمشاهير إلى محاولة ملء هذا الفراغ.
الهندسة السياسية للعنف
وفي قراءة تحليلية لعمق الأزمة، يرى المستشار السياسي لمجلس السيادة الانتقالي السوداني، أمجد فريد الطيب، في مقال له بصحيفة فايننشال تايمز، أن ما يشهده السودان ليس مجرد عنف عابر، بل هو تفكيك متعمد للمجتمع على يد ميليشيا يمثل العنف جوهر مشروعها السياسي.
ويوضح الطيب أن قوات الدعم السريع، التي نبتت من رحم ميليشيا الجنجويد، أعادت إنتاج أدوات الرعب العرقي والهندسة الديموغرافية التي مارستها سابقا في دارفور، مدعومة هذه المرة بقوى إقليمية واضحة.
وينتقد الكاتب بشدة محاولات المجتمع الدولي وبريطانيا، تحديدا للاختباء وراء لغة التوازن الدبلوماسي والمساواة بين الطرفين في المسؤولية عن الانتهاكات.
ويستشهد الطيب في هذا السياق ببيانات مشروع رصد النزاعات المسلحة (ACLED) لعام 2024، والتي تثبت بالأرقام أن قوات الدعم السريع مسؤولة عن 77% من الأضرار والانتهاكات المسجلة بحق المدنيين، مقارنة بنحو 10% ناتجة عن القوات الحكومية.
ويقول في هذا الصدد، إن وضع طرفي الصراع في خانة واحدة “ليس حيادا، بل تشويها للواقع”، مضيفا أن إصرار بريطانيا وشركائها على معاملة طرفَي النزاع باعتبارهما متكافئين في المسؤولية منح قوات الدعم السريع، عمليا، نوعا من الحصانة المؤسسية.

اتهامات لبريطانيا
وانطلاقا من هذا الفهم، يدعو الكاتب الحكومة البريطانية إلى اتخاذ 4 خطوات يراها قادرة على إحداث فارق ملموس في مسار الحرب: أولها تصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية بموجب قانون الإرهاب البريطاني، بما يتيح ملاحقة شبكات تمويلها وتجريم أنشطتها داخل المملكة المتحدة.
وثانيها، تعليق تراخيص تصدير الأسلحة إلى الجهات الإقليمية ذات الصلة ما دام خطر انتقال المعدات العسكرية إلى قوات الدعم السريع قائما.
أما الخطوة الثالثة فتتمثل في فتح تحقيق مستقل بشأن اتهامات تحدثت عن التقليل من شأن تحذيرات داخلية مرتبطة بخطر وقوع إبادة جماعية حفاظا على العلاقات مع تلك الأطراف الإقليمية، فيما تتمثل الخطوة الرابعة في ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات، وكذلك الجهات الخارجية التي توفر الدعم السياسي أو العسكري لها.
واستشهد في هذا الخصوص بتقارير تحدثت عن العثور على معدات بريطانية الصنع في حوزة قوات الدعم السريع، بينها أنظمة توجيه ومحركات لمدرعات.
ولا يقتصر انتقاد الكاتب على السياسة الخارجية، بل يمتد إلى السياسات الداخلية البريطانية، إذ يعتبر أن تعليق منح التأشيرات الدراسية للسودانيين في مارس/آذار الماضي ألحق الضرر بطلاب وباحثين فروا أصلا من الحرب، قائلا إن بريطانيا “تُبدي في العلن تعاطفها مع معاناة السودانيين، لكنها تعاقبهم بسياساتها في الواقع”.

الأطفال في خطر
وتأتي هذه الدعوات السياسية في وقت تتكشف فيه ملامح أزمة إنسانية جراء تداعيات الحرب في شمال كردفان. فقد حذرت منظمة “أنقذوا الأطفال” في تقرير نشرته حديثا من أن أكثر من 11 ألف شخص، بينهم نحو 5500 طفل، نزحوا من مدينة الأبيض خلال الأسبوعين الماضيين، نتيجة تصاعد القتال.
وفي الوقت نفسه، يواجه مئات الآلاف خطر الحصار وانقطاع المياه والوقود والخدمات الأساسية، بالتزامن مع تفشي الكوليرا وتعثر وصول المساعدات الإنسانية، بحسب التقرير.
وتتزامن هذه الموجات مع هجمات المسيرات الممنهجة التي استهدفت البنية التحتية، بما في ذلك محطات الوقود وصهاريج المياه، مما أدى إلى شلل اقتصادي وارتفاع جنوني في الأسعار، حيث بات سعر عبوتين من الماء يصل إلى 6 آلاف جنيه سوداني (نحو 10 دولارات).
وما يضاعف المأساة -وفق منظمة “أنقذوا الأطفال”- هو تزامن النزوح مع فصل الخريف وتفشي وباء الكوليرا الذي سجل أكثر من 300 حالة في إقليم كردفان، في ظل حرمان الأطفال من الرعاية الصحية الأساسية.
وأوضح فرانتشيسكو لانينو، نائب مدير المنظمة في السودان، أن النزوح المتكرر للأطفال لا يعني فقط فقدان المنزل، بل يعني تدمير شبكات الأمان، وخسارة التعليم، والرعاية الصحية، ناهيك عن الآثار النفسية العميقة التي تلاحق جيلا كاملا يشكل الأطفال فيه نحو 55% من إجمالي 14 مليون نازح في السودان، وهو ما يمثل أضخم أزمة نزوح في العالم حاليا.
المصدر: غارديان + فايننشال تايمز + مواقع التواصل الاجتماعي
