الدوامة تضع الغابة في قلب السرد وتقرأ علاقة الإنسان بها

الدوامة تضع الغابة في قلب السرد وتقرأ علاقة الإنسان بها

تدفع «الدوامة» للكولومبي خوسيه إوستاسيو ريبيرا أدب الغابات إلى قلب النقاش الاجتماعي؛ رواية تكشف انتهاكات البشر وقسوة الطبيعة في آن، وتقدّم الغابة مسرحاً للمواجهة لا خلفية للمناظر. نصٌّ يخيط الواقعي بخيوط عجائبية ليجعل الاستغلال قضية ملموسة، ويمنح سكان المناطق النائية حضوراً نادراً في السرد اللاتيني.

يرى نقاد كُثر في أمريكا اللاتينية أن العمل من أبرز منجزات الحداثة، وأنه بين الأفضل في «أدب الغابات» بفضل جمعه بين حكاية مغامرة محتدمة واحتجاج اجتماعي صريح. وتصل الرواية إلى القارئ العربي بترجمة الدكتور باسم الجندي، ما يفتح باباً لقراءة أثرها بعيداً عن الكليشيهات.

أصل الاحتجاج: من مهمة حدودية إلى رواية

عام 1921 أوكلت الحكومة الكولومبية إلى ريبيرا دراسة الأوضاع على الحدود مع فنزويلا داخل الغابات العذراء لحسم نزاع ترسيم، فشقّ طريقه عبر منطقة الأمازون على طول نهر أورينوكو، وأقام مع بعض القبائل المحلية. هناك اطّلع عن قرب على سوء استخدام المناصب في مناطق جمع المطاط (الكاوتشوك) وفضائح الفساد المرتبطة بها. هذه الخبرة الميدانية انتقلت إلى صفحات «الدوامة» كمعرفة جسدية بالعنف والطبيعة، وجعلت الغابة خصماً حقيقياً يعرّي الإنسان من أوهامه.

كاتب تشكّل بين الشعر والدبلوماسية

ولد ريبيرا في مدينة نيبا وتوفي في نيويورك. درس الحقوق في بوجوتا، عمل معلّماً ثم مارس المحاماة لفترة وجيزة قبل أن ينتقل إلى وظائف حكومية، ليلتحق لاحقاً بالسلك الدبلوماسي ممثلاً بلاده في كوبا ثم في الولايات المتحدة حيث رحل. وبحسب نبيل الحفّار، كرّس ريبيرا مكانته بنشر ديوانه «الأرض الموعودة» (1921) المؤلف من سونيتات تحتفي بطبيعة استوائية بكر، بلغة جديدة أقرب إلى الواقع وخارجة على القوالب الموروثة.

داخل الرواية يتشابك خطّان للصراع كما يوضح الحفّار: تنازع البشر فيما بينهم، ومواجهتهم مع طبيعة قاسية. بهذا التصور الواقعي قدّم ريبيرا ردّاً مضاداً على صورة رومانسية سادت مع معاصره خورخه إيساكس في «ماريا» (1867)، حيث رُفعت الغابة إلى مقام الأم الحانية.

حبّ يتحوّل إلى نجاة وانتقام

حكاية أرتورو كوبا وحبيبته أليسيا تتحرك من بوجوتا نحو السهول والغابات الكولومبية، وتتحوّل العلاقة إلى محرك للبقاء والثأر وسط شبكة من الأخطار. لا تُروى القصة كغاية بحد ذاتها، بل كاختبار للإنسان حين يواجه حدّيه: بطش البشر، وافتراس الطبيعة.

انتشرت «الدوامة» عالمياً بعد ترجمتها إلى ما يزيد على ثلاثين لغة، وحققت حضوراً مضاعفاً: تُقرأ كرواية مغامرات صلبة الإيقاع، وكوثيقة احتجاج اجتماعي لا تساوم. وبين السطور تترك أسئلة مفتوحة عن الطريق الممكن حين يضيق الأفق: أهو الحب، أم المعرفة، أم الاعتراف بهشاشتنا؟