فوق المستطيل الأخضر وبين دائرته ثمة رجال لا يغيرون التاريخ فحسب، بل يكتبونه بأقلام ذهبية، ففي دهاليز العاصمة الإسبانية حيث تتنفس الجدران مجد كرة القدم، وقف فلورنتينو بيريز مجدداً كطود شامخ لم تزعزعه رياح التغيير ولا طموح الشباب، وفي ليلة بيضاء عاشتها مدريد، أثبت هذا العجوز أن بريقه لم ينطفئ، وأن العرش الملكي، وإن اهتزت أركانه بانتخابات شرسة، لا يليق إلا بجالسِه التاريخي رجل الغالكتيكوس القوي، فهو ليس مجرد رئيس لنادٍ بل المهندس والسياسي السابق الذي أعاد رسم جغرافيا كرة القدم العالمية، والعراب الاستثماري الذي يرى في ريال مدريد إمبراطورية اقتصادية لا تغيب عنها الشمس.
رئيساً لمدريد مجدداً
وفي الساعات الأولى من صباح الاثنين، نجا فلورنتينو بيريز البالغ من العمر 79 عاماً من أول اختبار ديمقراطي ومنافسة حقيقية على رئاسة ريال مدريد منذ قرابة عقدين من الزمن.
وأعلنت قناة النادي الرسمية فوز بيريز بولاية جديدة مدتها 4 سنوات، بعد حصوله على 65% من الأصوات (وهي ثاني أفضل نتيجة في تاريخ انتخابات النادي، بعد أن كان قد حصد سابقاً نسبة قياسية بلغت 94.2% من الأصوات).
وقد تفوق بيريز على منافسه الشاب، رجل الأعمال في مجال الطاقة المتجددة إنريكي ريكيلمي، الذي نال 35% من أصوات الأعضاء المصوتين البالغ عددهم 33,555 عضواً، في اقتراع جرى بمركز تدريبات «فالدبيباس» الواقعة على أطراف مدريد.
من هو بيريز ؟
ولد فلورنتينو بيريز في مدريد عام 1947، ويمتلك خلفية سياسية سابقة وخلفية متينة في الهندسة المدنية والبناء، وهو ما فسر عقليته الصارمة والدقيقة في إدارة المشاريع الرياضية والاقتصادية.
ارتبط اسمه بمجموعة ««Grupo ACS العملاقة للمقاولات منذ تأسيسها عام 1997، ويشغل حالياً منصب رئيس مجلس إدارتها والرئيس التنفيذي لها، مما جعله واحداً من أعتى رجال الأعمال في إسبانيا.
سقوط قبل المجد
ورغم هذا النجاح، لم يكن طريق بيريز نحو عرش ريال مدريد مفروشاً بالورود دائماً، فقد فشل في محاولته الأولى للسيطرة على النادي عام 1995 عندما خسر الانتخابات الرئاسية آنذاك أمام رامون ميندوزا.
إلا أن نقطة التحول التاريخية كانت عام 2000، عندما استغل بيريز الأزمة المالية الطاحنة التي كان يمر بها ريال مدريد، ودخل المعركة الانتخابية واعداً الأعضاء بسلسلة من التعاقدات العالمية الفاخرة، وكان على رأسها الوعد «المستحيل» بجلب النجم البرتغالي لويس فيغو من الغريم الأزلي برشلونة.
مهندس «الغالكتيكوس»
أوفى بيريز بوعده فور فوزه، وفجر قنبلة القرن بضم فيغو مقابل قيمة صفقة قياسية كانت الأعلى في تاريخ اللعبة حينها، ليدشن رسمياً سياسة «الغالكتيكوس» والتي وتهدف إلى ضم أبرز نجوم كرة القدم في العالم كل صيف لتعزيز الجانبين الرياضي والتجاري.
وخلال ولايته الأولى التي امتدت حتى استقالته في فبراير 2006، تعاقد مع زين الدين زيدان، رونالدو النازاريو، ديفيد بيكهام، مايكل أوين، وروبينيو، محققاً لقبين في الليغا ولقباً في دوري أبطال أوروبا.
وفي عام 2009، عاد «المهندس» إلى سدة الحكم لتستمر الملحمة بجيل ثانٍ من العمالقة؛ حيث وفد إلى النادي كاكا، وكريستيانو رونالدو، كريم بنزيما، تشابي ألونسو، مسعود أوزيل، أنخيل دي ماريا، وغاريث بيل، وصولاً إلى النجم الفرنسي كيليان مبابي.
أوروبا تحت السيطرة
هذه الصفقات الفلكية تُرجمت إلى سيطرة مرعبة على القارة العجوز، تجلت في الفوز بلقب دوري أبطال أوروبا في عدة مناسبات، أبرزها الثلاثية التاريخية المتتالية الإعجازية بين عامي 2014 و2017، بجانب الفوز بالدوري الإسباني عامي 2017 و2020.
ولم تتوقف طموحات بيريز عند حدود الملعب، بل امتدت لإعادة صياغة مستقبل كرة القدم ككل، ففي عام 2021، وعقب إعادة انتخابه مباشرة، أعلن نفسه رئيساً أول لمشروع «السوبر ليغ» (Super League) التاريخي والمثير للجدل.
ورغم أن المشروع واجه معارضة جماهيرية وسياسية شرسة أدت لانسحاب معظم الأندية المؤسسة، إلا أن بيريز ظل صامداً وثابتاً على موقفه، مصرحاً بمرارة ولكن بثقة: «أنا مقتنع أنه إن لم يخرج هذا المشروع للنور، فسيخرج مشروع آخر بديل.. أنا حزين ومحبط، لقد عملنا لسنوات على هذا لمعرفة كيفية تحسين الأمور من الناحية الكروية والاقتصادية».
مجد القيادة والنادي
وتحت قيادة هذا الرجل الإدارية الفذة، حقق ريال مدريد مجداً رياضياً واقتصادياً غير مسبوق، حيث توج الفريق بـ7 ألقاب في دوري أبطال أوروبا، و7 ألقاب في الدوري الإسباني، إلى جانب 6 ألقاب في كأس العالم للأندية، ومثلها في كأس السوبر الأوروبي.
وإلى جانب سجل الذهب هذا، يُسجل لبيريز ثورته الإنشائية الكبرى؛ فهو من شيد مدينة «سيوداد ريال مدريد» الرياضية الشاسعة في فالدبيباس عام 2005، وقاد مؤخراً مشروع القرن المتمثل في تطوير ملعب «سانتياغو برنابيو» وتحويله إلى تحفة معمارية تكنولوجية تدر دخلاً هائلاً للنادي على مدار العام، ليضمن بقاء ريال مدريد في قمة الهرم الاقتصادي الرياضي لعقود مقبلة.


تعليقات