تُظهر الشركات الأوروبية تمسكها بالتوسع الصناعي في الصين، مستندة إلى عوامل تتعلق بتخفيض التكاليف، سرعة الإنتاج، وتكامل البنية التحتية الصناعية، على الرغم من الدعوات المتزايدة لتقليل الاعتماد على بيئة التصنيع الصينية وتقييم المخاطر المرتبطة بسلاسل التوريد العالمية. يعكس هذا الوضع فجوة واضحة بين السياسات الأوروبية في بروكسل والقرارات العملية التي تتخذها الشركات في السوق.
وفق استبيان أجرته غرفة تجارة الاتحاد الأوروبي في الصين، فإن السياسة الرسمية لـ«خفض المخاطر» تظل بعيدة عن التطبيق الفعلي داخل المصانع. إذ تشير البيانات إلى أن 68% من الشركات الأوروبية تعتبر الصين قاعدة تصنيع لا يمكن الاستغناء عنها، إما من خلال الحفاظ على عملياتها القائمة أو توسيعها على مدار العامين الماضيين. كما يؤكد 37% من المشاركين أنهم لم يغيروا استراتيجيات توريدهم خلال نفس الفترة.
في المقابل، لم تتجاوز نسبة الشركات التي حولت جزءًا من توريدها أو أنشأت قواعد تصنيع بديلة خارج الصين 7% فقط، ما يعكس محدودية التحول الفعلي بعيدًا عن هذا المركز الصناعي الحيوي.
توترات متزايدة في العلاقات الصناعية
تعيش العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين حالة من التوتر المتصاعد، مع تشديد رقابة الجهات الأوروبية على الممارسات التجارية الصينية. تتجلى الخلافات بشكل واضح في دعم الصناعات والتنافس في قطاعات حيوية مثل التكنولوجيا والطاقة النظيفة.
رغم الرسوم الجمركية والضغوط السياسية الغربية، تظل الصين لاعبًا رئيسًا في الصناعة العالمية، بحجم إنتاج يمثل نحو 28% من إجمالي السلع المصنعة عالميًا.
بالنسبة للشركات الأوروبية، لا تقتصر الاعتبارات على المخاطر الجيوسياسية، بل تتجاوزها إلى قدرة الصين على توفير بيئة إنتاج متكاملة لا يمكن مضاهاتها بسهولة من حيث السرعة والتكلفة في مناطق بديلة.
ويدفع هذا الواقع ربع الشركات الأوروبية إلى تبني نهج مزدوج، حيث توسع وجودها في الصين مع بناء شبكات موردين بديلة في مناطق أخرى، سعياً لتحقيق توازن منطقي بين الاستفادة من السوق الصينية وتقليص الاعتماد عليها على المدى البعيد.
تغيّرات في بنية التجارة العالمية
تتوسع التغيرات لتشمل الشركات الصينية ذاتها، التي أصبحت تلعب دورًا أكثر نشاطًا في إدارة سلاسل التوريد العالمية، مع نجاحها في توسيع نفوذها الخارجي.
يرى مايكل ألدويل، نائب الرئيس التنفيذي للخدمات البحرية بشركة «كوينه آند ناغل» السويسرية، أن قطاع الشحن يشهد تسارعًا كبيرًا في العمليات التي تُدار وتُشحن من داخل الصين، وتشمل عمليات دفع التكاليف أيضًا من هناك.
هذا التوجه يتجلى بوضوح في قطاعات مثل السيارات الكهربائية، البطاريات، والإلكترونيات الاستهلاكية، مع انتقال مركز القرار التشغيلي والإمدادي إلى الداخل الصيني، مما يعزز موقع الصين كمركز صناعي متقدم يتجاوز دوره التقليدي كقاعدة إنتاج منخفض التكلفة.
الأتمتة: مفتاح التفوق الصناعي
ترتكز الحوافز وراء توسع الشركات الأوروبية في الصين على السيطرة على التكاليف، لكن العنصر الحاسم بات التطور السريع في الأتمتة الصناعية. يوضح دينيس ديبو، الشريك الإداري في «رولاند بيرغر»، أن الفارق في مستوى الأتمتة داخل المصانع الصينية أصبح ملحوظًا للغاية مقارنة بما كان عليه الحال قبل عامين.
ويشير إلى أن الاعتماد على خطوط إنتاج مؤتمتة بالكامل يقلل أهمية كلفة اليد العاملة، ويزيد الإنتاجية، ويحسّن سرعة التصنيع، إلى جانب خفض تكاليف التشغيل على المدى المتوسط والبعيد. ومن الأمثلة اللافتة لذلك شركة «نيو» الصينية للسيارات الكهربائية التي تعتمد على 941 روبوتًا تعمل بشكل مستقل على تصنيع عدة طرز في آن واحد، دون الحاجة لوجود عمال على الأرض، مما يضمن إنتاجًا مستمرًا على مدار الساعة.
تفوق يصعب منافسته
تعتمد قوة الصين الصناعية على أكثر من الأتمتة، حيث يمتد التفوق إلى تكامل منظومة التصنيع، ووفرة المواد الخام، وانخفاض أسعار الطاقة، إلى جانب الدعم الحكومي الانتقائي الذي يساهم في تعزيز القدرة التنافسية للمنتجات الصينية عالمياً.
وأظهرت تقارير «رولاند بيرغر» أن نحو ثلاثة أرباع الشركات الأوروبية العاملة في الصين توافق على أن منشآتها هناك أكثر كفاءة مقارنة بعملياتها في أسواق أخرى. هذا الواقع يجعل الصين نقطة ارتكاز أساسية في خارطة الصناعة العالمية رغم الضغوط السياسية والاقتصادية المتزايدة.

تعليقات