في الفترة الأخيرة، لجأ النظام الإيراني إلى تبني أساليب قمعية جديدة تتجاوز الاعتقالات والتهديدات المباشرة، مستهدفاً من خلالها تعطيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية لآلاف المعتقلين وأسرهم المشاركين في الاحتجاجات الشعبية. وقد استهدفت هذه السياسة القسرية التي تنفذها الأجهزة القضائية والسلطات الأمنية فرض واقع معيشي صعب يعوق هذه العائلات عن مواصلة حياتها الطبيعية، في محاولة لتعزيز العقاب الجماعي.
وفقاً لتقرير نشره موقع “اندبندنت فارسية”، تضاعفت إجراءات الانتقام التي تنفذها الأجهزة الاستخباراتية بعد التطورات السياسية الأخيرة في المنطقة. وتشمل الخطوات المتخذة فصل الموظفين تعسفياً، وإغلاق المحلات التجارية بشكل متعمد، ومنع توظيف خريجين، ومصادرة أملاك خاصة، بهدف تضييق الحصار على كل من أبدى دعمه للحراك الثوري في المدن الإيرانية المختلفة.
تتوالى القصص الواقعية التي تبرز حجم المعاناة التي يتكبدها الشباب داخل المدن، حيث يروي أحد المعتقلين السابقين في كرج تجربة فقدانه لعمله في شركة خاصة بعد ضغوط استخباراتية عرضت صاحب العمل لفقدان عقود حكومية، مما أدى إلى عجزه عن تأمين حاجاته اليومية.
استخدام الإغلاق والمنع من التعليم كأدوات للترهيب
امتدت حملات القمع أيضاً ضد أسر الضحايا والشهداء الذين سقطوا خلال التظاهرات، فقد أغلقت السلطات في مدينة مشهد محل والد أحد الضحايا، مرفقةً هذا الإجراء بشرط التزام الأسرة بالصمت وعدم نشر أي تفاصيل أو صور عبر وسائل التواصل الاجتماعي لإعادة فتح المحل.
في مجال التعليم، وثّق ناشطون حقوقيون في مازندران تعرض العديد من الطلاب الجامعيين إلى تعليق دراستهم لفترات طويلة، مع فرض خيار إما الخضوع لتحقيقات أمنية واعتقالات، أو البقاء متخفين وفقدان حقهم في التعليم، مما يعكس التدخل المباشر للنظام في المجال الأكاديمي.
كما تشهد مقاطعة أرومية ضغوطاً أمنية مشددة على عائلات المعتقلين، حيث تُوَجَّه تهديدات بالاعتداءات والاعتقالات لأفراد الأسرة في حال كشفوا عن ظروف أبنائهم المعتقلين، وسط استنكار واسع من قبل الناشطين تجاه الصمت الدولي تجاه تلك المعاناة الإنسانية المتصاعدة.
قطع الإنترنت وتأثيره على الاقتصاد والعمل الحر
لم تقتصر السياسة القمعية على السكان فقط، بل شملت أيضاً إحداث عزلة رقمية كاملة عن طريق انقطاع الإنترنت الذي دخل شهره الثالث، ما تسبب بشلل ربط حركة الحياة اليومية والتجارة الإلكترونية لملايين الإيرانيين الذين يعتمدون على المنصات الرقمية في إدارة أعمالهم.
تواجه المحال التجارية في طهران انخفاضاً حاداً بالمبيعات بعدما كان التسويق عبر منصات مثل “إنستغرام” يمثل العمود الفقري لترويج منتجاتها. أدى هذا الأمر إلى تراكم الديون وعجز عن تغطية الإيجارات، مهدداً إفلاس شريحة واسعة من أصحاب المشاريع الصغيرة والطبقة الوسطى.
تسعى السلطات من خلال هذه الإجراءات إلى قطع تواصل المحتجين مع بعضهم، وإخفاء الانتهاكات التي تمارسها الأجهزة الأمنية بحق المدنيين، بينما تتحمل الطبقات الفقيرة وزيادة معدلات الفقر تبعات هذا الحصار الاقتصادي والتكنولوجي المدمر.
الإعدامات السياسية أداة لترهيب المجتمع
في سياق متصل، يواصل النظام الإيراني تنفيذ أحكام الإعدام بحق المعارضين السياسيين والرياضيين الذين يعتبرون رموزاً للحراك، مثل تنفيذ حكم الإعدام على السجين السياسي غلام رضا خاني شكرآب، رغم مناشدات المنظمات الحقوقية الدولية لإنقاذ حياته.
وقد تم اعتقال هذا السجين في سبتمبر من العام الماضي، ونُقل تعسفياً بين سجون سيئة السمعة مثل “إيفين” و”قزل حصار”، مع مواجهته اتهامات جاهزة مثل التجسس والتعاون مع جهات أجنبية، والتي تستخدمها السلطات لتبرير القمع ضد المعارضين.
وفق مراقبين وناشطين داخل إيران، ترى السلطات أن القمع الميداني لم يعد كافياً، لذا تتبع حالياً استراتيجية تقوم على استنزاف المواطن نفسياً واقتصادياً، وخنق الحياة من خلال تحويل ظروفهم إلى جحيم مستمر، لمنع تفكيرهم في تنظيم أي احتجاجات جديدة في المستقبل.

تعليقات