رحلة بين الصفا والمروة: التاريخ والأحداث واختلاف وجهات النظر بين المؤرخين

رحلة بين الصفا والمروة: التاريخ والأحداث واختلاف وجهات النظر بين المؤرخين

يُعتبر السعي بين الصفا والمروة من الأركان الأساسية في مناسك الحج والعمرة، حيث يُؤدى بعد الانتهاء من طواف الركن، ويتضمن سبعة أشواط تبدأ من جبل الصفا وتنتهي عند المروة. يُستحب الصعود على هذين الجبلين والدعاء عندهما، مع الإسراع بين العلمين الأخضرين، اقتداءً بالفعل الذي قامت به السيدة هاجر عليها السلام. يرتبط هذا الركن التاريخي بحكاية النبي إبراهيم عليه السلام وزوجته هاجر وابنهما إسماعيل، وقد أقره الإسلام ضمن شعائره بعد نزول الوحي.

يدرك المسلمون أن السعي بين الصفا والمروة ركن إلزامي لكل من يؤدي الحج أو العمرة، إذ لا يكتمل مناسك الحج أو العمرة بدونه. يؤدى هذا السعي عقب طواف الكعبة، ويجب على الحاج أن يؤديه سواء كان متمتعًا أو قارنًا أو مفردًا. بالنسبة للمتمتع، يلزم السعي مرتين؛ الأولى للعمرة، والثانية للحج، على عكس القارن والمفرد، اللذين يُكفيهما سعي واحد، يمكن أن يُنجز مع طواف القدوم قبل يوم عرفة أو مع طواف الإفاضة بعده.

يحتفظ السعي بأصله التاريخي وشرعيته المرتبطة بالنبي إبراهيم عليه السلام وزوجته هاجر وابنهما إسماعيل. يتساءل البعض حول ماذا يعني السعي، وكيف تتم صفته، وأين يقع الصفا والمروة، وما هي معانيهما، إضافة إلى مفهوم المسعى والعلمين الأخضرين، بالإضافة إلى اختلاف وجهات نظر المؤرخين حول أبعاد المسعى، وهو ما نوضحه في هذا التقرير.

الأصل التاريخي للسعي وصلته بإبراهيم وإسماعيل وهاجر

كانت بداية ذكر السعي مع النبي إبراهيم وابنه إسماعيل وزوجته هاجر عليهم السلام. يروي الإمام البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قصة ترك النبي إبراهيم إلى زوجته هاجر وابنه إسماعيل في مكة، وكيف قامت هاجر بالسعي بين الصفا والمروة بحثًا عن الماء. وقد قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «فذلك سعي الناس بينهما» تأكيدًا لشرعية هذا الفعل.

الصفا والمروة عند العرب قبل الإسلام وتفاعل الإسلام معهما

في العصر الجاهلي، كان على جبل الصفا والمروة صنمان يسميان “إساف” و”نائلة”، حيث كان العرب يطوفون بينهما سبعة أشواط، وكانت قبيلة قريش تقوم بهذه الشعيرة بشكل خاص. عندما هاجر الأنصار إلى مكة مع النبي صلى الله عليه وسلم للحج، كانوا يمقتون أداء السعي بين الصفا والمروة لأصولها الجاهلية واعتبروها شركًا، ما دفع بعض الصحابة إلى الاستفهام عن تركها في الإسلام. جاء الرد الإلهي في القرآن الكريم موضحًا: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}، مما أثبت شرعية السعي في الإسلام.

موقع وصفة جبل الصفا والمروة

يقع جبل الصفا جنوب شرق المسجد الحرام، على بعد حوالي 130 مترًا عن الكعبة، ويشكل نقطة بداية السعي. في المقابل، يتمركز جبل المروة شمال شرق المسجد، بمسافة تقارب 300 متر، ويتصل بجبل قعيقعان، وهو نقطة النهاية. قبل عام 1375هـ كانتا تقعان خارج حدود المسجد الحرام، ولم يكن هناك بناء خاص بهما، لكن مع توسعة المسجد الحرام فُصل جبل الصفا عن جبل أبي قبيس، محتفظين ببعض صخور الدلالة، كما جُعلت المروة كذلك، وأُدرجت منطقة المسعى ضمن المسجد الحرام.

الدلالة اللغوية لأسماء الصفا والمروة

اشتُق اسم الصفا من كلمة تعني الصخرة ذات السطح الأملس والمتين، المختلط بالحصى والرمل. أما المروة فمرتبطة بحجر المرو، وهو نوع صلب من الحجارة البيضاء المعروفة بلمعانها وقوتها. وقد أورد عدة علماء ومؤرخون أوصافًا لهذه الجبال ومعاني أسمائها في كتبهم المختصة في التفسير واللغة والتاريخ.

كيفية أداء السعي بين الصفا والمروة

عند نية أداء السعي يبدأ الحاج أو المعتمر من جبل الصفا، ويفضل أن يقرأ الآية القرآنية المتعلقة بالصفا والمروة. يعتلي الصفا متجهًا نحو الكعبة، مرددًا الأذكار والدعاء، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير…». ثم ينزل متجهًا نحو المروة، وعند بلوغه العلم الأخضر يبدأ بالإسراع قدر الإمكان دون الإضرار بالآخرين حتى يصل إلى العلم الثاني، بعدها يكمل سيره نحو المروة، ليكرر هذه الدورة سبع مرات، بدءًا من الصفا وانتهاءً بالمروة. يُعتبر الصعود على الجبلين والإسراع بين العلمين من السنن، وليس من الواجبات، ولا يجوز أداء السعي كمستحب منفصل خارج مناسك الحج أو العمرة.

معنى السعي والمسعى

السعي في اللغة يعني العدو أو الهرولة، أما في الشريعة فهو التنقل بين الصفا والمروة سبع مرات عقب الطواف في مناسك الحج أو العمرة. المسعى يشير إلى الطريق الممتد بين هذين الجبلين، وُوصف بطن الوادي من قبل العلماء.

العلمان الأخضران ودورهما في السعي

ينصح بالإسراع بين العلمين الأخضرين أثناء أداء السعي، وهما علامتان تجسدان مواقع هرولة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أثناء السعي. تم وضع هذين العلمين في نهاية القرن الأول الهجري لضمان حفظ مواقع الهرولة بشكل واضح بين الناس، ومع توسعة الحرم الشريف نُقلا إلى الموقع المقابل، ولاحقًا حُلّتا بمصابيح إنارة خضراء بارزة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة. ويُعتقد أن هذه الممارسة مستمدة من اقتداء الساعي زوجة إبراهيم هاجر، التي كانت تسرع بينهما في سعيها بحثًا عن الماء لابنها.

تباين آراء المؤرخين بشأن أبعاد المسعى

طرأ اختلاف بين المؤرخين والعلماء في قياس طول وعرض المسعى، يعزى ذلك إلى الطبيعة الجغرافية المتغيرة للمكان حيث يضيق ويتسع بين بعض النقاط، إضافة إلى تعدد طرق القياس واختلافها بين القديم والحديث. كما يعود ذلك إلى اختلاف مواقع القياس إن كانت من أعلى الجبل أو أسفله.

المقاييس الفعلية لطول وعرض المسعى

أورد محمد بن عبد الله الأزرقي من أوائل من قام بالتوثيق، أن طول المسعى يبلغ 766.5 ذراعًا باتساع 35.5 ذراع، أي ما يعادل حوالي 368 مترًا طولًا و17 مترًا عرضًا عند اعتماد الذراع بـ48 سم. في حين ذكر أحمد بن فضل الله العمري أن الطول يصل إلى 780 ذراعًا أو ما يقارب 374 مترًا. أما في العصور المتأخرة، فكان التقدير العام أن عرض المسعى يتراوح بين 10 إلى 12 مترًا، بينما حددت لجنة شرعية في عهد مفتي المملكة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ العرض بمقدار 16 مترًا.