مع بدء توافد ضيوف الرحمن للأراضي المقدسة، تنطلق اغاني موسم الحج لتملأ الأجواء بنفحات إيمانية فريدة تحرك مشاعر الشوق والحنين في قلوب الملايين نحو الكعبة المشرفة والروضة الشريفة. وتحمل هذه الأيام طقوسًا روحانية استثنائية لا تكتمل في الوجدان العربي والمصري دون استعادة تلك الروائع الغنائية التي امتزج فيها عذب الشعر بأصالة اللحن، لتشكل تراثًا فنيًا ممتدًا تتوارثه الأجيال جيلًا بعد جيل. ولم تكن هذه الأعمال مجرد أغنيات عابرة، بل تحولت إلى وثائق وجدانية تعبر عن أشواق المحرومين وفرحة الواصلين، متنوّعة بين الكلاسيكيات الفصحى والمدائح الشعبية التي تصدح بها البيوت والوسائل الإعلامية معلنةً بدء الرحلة المقدسة.
ليلى مراد وصوت الشوق إلى الحرمين
تتربع الفنانة الراحلة ليلى مراد على عرش هذا التراث الديني من خلال أيقونتها الخالدة التي تعد من أبهج اغاني موسم الحج وأكثرها قربًا لقلوب الجماهير، وفقا لما رصده موقع تحيا مصر، فمن خلال شاشة السينما وفيلم بنت الأكابر، انطلقت أغنية يا رايحين للنبي الغالي لتصبح النشيد الرسمي غير الرسمي الذي يودع به المصريون حجاج بيت الله الحرام كل عام، حاملة في طياتها مزيجًا عبقريًا من الكلمات البسيطة التي صاغها الشاعر أبو السعود الإبياري، والألحان الدافئة التي أبدعها الموسيقار رياض السنباطي، حيث تنجح الأغنية في كل مرة تبث فيها في إثارة حالة من الشجن الجميل والأمل في نيل تلك الزيارة المباركة والطواف سبع مرات حول البيت العتيق.

كوكب الشرق وروائع الفصحى والوجدان الصوفي
لم تكن سيدة الغناء العربي أم كلثوم بعيدة عن هذه المناسبة العظيمة، بل قدمت للمكتبة الموسيقية أعمالًا تعد من ركائز اغاني موسم الحج وأكثرها عمقًا وفخامة.
وقد تجسد هذا التعاون الإبداعي عندما غنت قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي إلى عرفات الله، والتي كتبت في الأصل بمناسبة توجه الملك أحمد فؤاد لأداء المناسك، فجاءت الأبيات قوية ومحملة بالجمال اللغوي الذي يصف جلال الموقف وهيبة المشعر الحرام. ولم تكتفِ كوكب الشرق بالفصحى، بل غاصت في بحر العامية الصوفية الن Create من خلال أغنية القلب يعشق كل جميل من كلمات بيرم التونسي وألحان السنباطي، لتصف في مقاطعها الشهيرة روعة الوقوف بباب البيت الحرام وفي الروضة الشريفة وسط دموع الرجاء وبشائر الغفران والتمني بأن ينال كل الأحبة هذه المنزلة العالية.
امتدت هذه النفحات الروحية لتلهم كبار الملحنين والمطربين من مختلف المدارس الموسيقية، حيث وضع الموسيقار محمد فوزي بصمته الإبداعية الخاصة في عالم اغاني موسم الحج مستعينًا بكلمات تاريخية تنسب لأبي نواس في لحظاته الأخيرة.
وقدم فوزي بعبقريته المعهودة لحن إلهنا ما أعدلك الذي يحمل صيغة التلبية والاستسلام التام لملك الملوك في إطار لحني يفيض بالخشوع والجمال. وفي العصر الحديث، استمرت هذه الجذوة الفنية متقدة مع تقديم الفنان وائل جسار لأعمال تحمل الصبغة الإيمانية الهادئة مثل أغنية حج حجيج التي تخاطب الوجدان بأسلوب عذب يربط بين مناسك الحج والنوم والسلام والطمأنينة التي تنزل على قلوب المؤمنين.
الفلكلور الشعبي وحنين القرى والمدن
إلى جانب الأعمال الرسمية لكبار النجوم، يظل للفلكلور الشعبي مكانة خاصة واستثنائية ضمن منظومة اغاني موسم الحج التي ترافق قوافل الحجاج في القرى والمدن العربية. وتبرز في هذا السياق الأغنيات التراثية التي تتسم بالعفوية والشجن الصادق، مثل الموال الشهير للفنانة الحاجة نعمة القنائية رايحة فين يا حاجة، ومواويل عرب البلبيسي.
والتي ترسم بكلماتها البسيطة وصوتها الدافيء تفاصيل السفر الشاق والممتع في آن واحد، واصفة عذوبة مياه زمزم والشوق العارم لتقبيل الحجر الأسود وزيارة قبر الرسول الكريم، مما يجعل من هذه الأغاني الشعبية ركنًا أصيلًا من ذاكرة الاحتفالات التي تبهج القلوب وتديم صلة الوصل الروحية بالمشاعر المقدسة.

تعليقات