تراتيل السلام يا صديقي | سبق

تراتيل السلام يا صديقي | سبق

يتناول المقال زيارة الرئيس المصري أنور السادات لإسرائيل عام 1977 كتجربة تاريخية في “التنازل” الذي أعاد لمصر سيناء لكنه كلّفه حياته، ليجعل منها مدخلًا لفكرة أن الحياة كلها قائمة على تنازلات محسوبة في التوقيت والجهة والمقابل. ثم ينتقل الكاتب لانتقاد نماذج من البشر سماهم “ملوك الادعاء” ممن يطالبون غيره…

في تاريخ ١٩ نوفمبر ١٩٧٧م، زار الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات إسرائيل في تحدٍّ كبير وصارخ، وحدثٍ جلل وتاريخي. فمجرد زيارة إسرائيل كأول زعيم عربي مسلم كان يُعدّ تنازلًا مهولًا ! ثم ذهب إلى مقر الكنيست الإسرائيلي في تل أبيب ليلقي ذلك الخطاب الشهير، معلنًا أنه يحمل بين طياته تراتيل السلام. وسواء اتفقنا أو لم نتفق، فلكلٍّ وجهة نظر تُحترم، لكن ذلك التنازل هو الذي أعاد سيناء لمصر؛

محبوه يرونه رجل الحرب والسلام، وغير المحبين يرونه خائنًا ومَن مهّد للتطبيع، وقد دفع ثمن ذلك التنازل حياته لاحقًا، لكنه استعاد أرضه.

ومن هنا نستلهم أن الحياة قائمة على التنازلات، من الرئيس حتى الإنسان البسيط، فهذا هو ديدن الحياة؛ كي تبلغ شيئًا، لا بد أن تتنازل عن شيء آخر، فالمقابل .

لا تكن من دعاة وأنصار الكمال، فحتى في الدين الإسلامي أنت تتنازل عن الأكل والشرب وبعض ملذات الحياة، والثمن هو الجنة يا صديقي.

ولكن السؤال المنطقي: لمن يُقدَّم هذا التنازل؟ ومتى؟ وعلى ماذا سأحصل؟

فالتوقيت أيضًا مهم، فأحيانًا يُعتبر التنازل رضوخًا إذا جاء بعد فوات الأوان.

يا صديقي، أدرك حجم تنازلاتك، بل تضحياتك، ولكنني أجدها قُدمت لمن يستحق، وفي الوقت المناسب أيضًا، وسوف تدرك ذلك مع الأيام؛ فأن تتنازل بإرادتك أفضل من أن تُجبرك الظروف .

هناك أصدقاء، إذا كنت متوهجًا أو حققت إنجازًا، تجد عبارات هادئة مثل: “ممتاز، يعطيك العافية”، بل إنهم يعانون من ضمور الكلمات! بينما بالمقابل يرتفع معدل الهلع إذا لم تحقق أو تُنجز، وستجد طوفانًا من الكلمات المسيئة والدخول في النوايا بحقك، وكأنك ارتكبت جريمة بشعة لا تُغتفر.

وهناك أوفياء مريحون في كل الأحوال، مضمون تفاعلهم؛ حينما تتحدث ينصتون، وحينما لا تجد مبررًا للحديث يحفزونك. وعندما تعمل شيئًا جيدًا فقط ينهالون عليك بعبارات الثناء، وحينما تخطئ لا يُلقون باللوم عليك.

نحن نعيش في عصرٍ رفع فيه الجميع سقف استحقاقه في نفسه، لدرجة أنك ترى أشخاصًا يوجهون لك النصائح وهم لا يرون ولا يسمعون إلا أنفسهم، ويقولون لك: “لو كنت مكانك لفعلت كذا وكذا”، وصدقني، لن يفعلوا. احذر منهم.

هم أشخاص يهتمون بنظرة الناس لهم، وسوف ينكرون ذلك. مبهرون للبعيد، وذائقتهم رفيعة حتى لو كان اللقاء عابرًا، لكنهم منكرون للقريب، ويخفت بريقهم معه.

وأصحاب واجب ـ كما يصفون أنفسهم ـ يزورون المرضى بكامل أناقتهم، وبأرقى أنواع الهدايا، ومن نظراتهم ستحصل على يقين أنهم غير مبالين بحالتك المرضية أصلًا؛ فهم مجردون من الإحساس. ويخبرونك أنهم قادرون على تجاوز كل الأشخاص وكل الظروف، وأنه لا يوجد في هذا العالم من يستحقهم، وكأنهم من كوكب أخر ! تأسرهم كلمة ثناء من بيئة محيطة لا تُجيد سوى التملق.

ويرون أنه لو تفهّمهم العالم لكان العالم غير العالم! وحتى عندما تكون مواقفهم ضعيفة يصمتون، على الرغم من عشقهم للجدال، وسوف يبررون صمتهم بأنه صوت الحكمة الذي لا تدركه عقولنا. يجيدون سياسة النأي بالنفس عندما تحتاجهم ولا يعذرونك عند حاجتهم أساتذة المبررات تعيش معهم في سباق مع الزمن يجبرونك ان تخوض معركة تلو الآخرى لاطائل منها يريدون ان يجعلو منك شخصاً ممتناً لهم طوال الوقت .

يرون الاعتذار ضعف موقف وقلة حيلة، ونحن نراه شيئًا ثمينًا يُهدى للأثمن.

هؤلاء البشر أسميتهم: (ملوك الادعاء)، وسوف ندعهم في غيّهم يعمهون.

أما أنت يا صديقي الجميل والوفي والنادر، فلا تطلب مني أن أتغير كي أناسبك، فأنت تتقبلني كما أنا بحق. لا تقل لي إنك تحب أخطائي، بل بيّنها لي، واجعلني في حالٍ أفضل، وسوف أهديك تراتيل السلام، فأنت من يستحقها.)

✍️

سعود بن ماجد الدويش