ما الذي يطفئ الإنسان؟ | سبق

ما الذي يطفئ الإنسان؟ | سبق

يتناول المقال حالة الانطفاء الداخلي التي يمر بها الإنسان حين يتحول ما يحب إلى مهام مرهقة تُنجز تحت الضغط والمقارنة والسعي الدائم لإثبات الذات، فيفقد صلته الشعورية بالحياة رغم استمراره في أداء الأدوار اليومية بشكل طبيعي ظاهرياً. ويستند إلى “نظرية تقرير المصير” التي توضح أن استمرار الشغف مرتبط بتلبية…

في بعض المراحل من الحياة، لا يشعر الإنسان بأنه متعب فقط، بل يشعر وكأنه فقد شيئاً من روحه في الطريق. يستيقظ، ينجز ما عليه، يرد على الرسائل، يذهب إلى عمله، يبتسم أحياناً، ويواصل أيامه بشكل يبدو طبيعياً للآخرين، بينما في داخله شيء خافت لا يعرف كيف يصفه. وكأن الحياة التي كانت تمر فيه يوماً ما، أصبحت تمر من حوله فقط. وربما لأن الإنسان لا يفقد نفسه دفعة واحدة، بل يفقدها تدريجياً، تتغيّر علاقته بالحياة نفسها، وبالأشياء التي كانت تمنحه شعوراً خفيفاً بالحياة. فالإنسان في بداياته لا يعيش بمنطق المكافآت وحدها. الطفل لا يركض لأنه ينتظر جائزة، ولا يرسم لأنه يريد تقييماً، بل لأنه يشعر بمتعة التجربة نفسها. وحتى الإنسان حين يبدأ حلماً جديداً، يعمل بروح مختلفة، لأنه يشعر أن ما يفعله يشبهه بطريقة ما، وأن هناك علاقة خفية بينه وبين التفاصيل التي يعيشها كل يوم. لكن مع الوقت، تتدخل الضغوط، وتزداد المقارنات، ويتحوّل كثير من الأشياء الجميلة إلى مهام يجب إنجازها، لا تجارب تُعاش بشغف حيّ. ومع هذا التحول التدريجي، لا يخسر الإنسان طاقته فقط، بل يفقد أحياناً شعوره الداخلي بما يفعل. فكثير من الإرهاق لا يأتي من كثرة المهام نفسها، بل من العيش تحت المراقبة المستمرة، أو الضغط، أو الحاجة الدائمة لإثبات الذات. ومع الوقت، يفقد الشغف روحه الأولى، ويتحوّل ما يفعله الإنسان إلى استنزاف داخلي صامت.

وربما لأن هذا الانطفاء الداخلي يتكرر في تجارب إنسانية كثيرة، حاول علم النفس فهم تلك المسافة الخفية التي تتشكل أحياناً بين الإنسان وما يحب. ومن هنا جاءت “نظرية تقرير المصير” لـ إدوارد ديسي، التي ترى أن الإنسان لا يستمر بشغف صادق فقط بسبب المكافآت أو الخوف من العقاب، بل لأنه يحتاج في أعماقه إلى الشعور بالاختيار، والشعور بالكفاءة، والشعور بالانتماء. فحين تُهمَل هذه الاحتياجات النفسية، تتآكل علاقة الإنسان الداخلية بما يفعل، حتى وإن بدا مستمراً من الخارج.

وربما لهذا تبدو هذه الأفكار قريبة من حياتنا أكثر مما نظن، لأننا نراها يومياً في تفاصيل صغيرة نمر بها دون انتباه. فقد نجد طفلاً كان يحب التعلّم بعفوية، ثم يخفت حماسه تدريجياً حين يصبح كل شيء حوله قائماً على المقارنة والخوف من الخطأ. لم يعد يتعلّم بدافع الفضول، بل بدافع القلق من التقصير. وقد نجد طالباً كان شغوفاً بتخصصه في البداية، ثم يتسلل إليه ثقل داخلي كلما اقترب من كتبه، ليس لأنه فقد قدرته على التعلّم، بل لأنه فقد شعوره الأول تجاه ما يحب.

وفي بيئات العمل، قد يبدأ الإنسان وظيفته بحماس صادق، يحمل أفكاراً ورغبة في الإنجاز، ثم يتحول مع الوقت إلى شخص يؤدي الحد الأدنى فقط، لا لأنه كسول، بل لأنه يعيش تحت الرقابة المبالغ فيها، أو التوقعات التي لا تنتهي، أو الشعور بأن قيمته مرتبطة فقط بما يقدمه من نتائج. فكثير من الإرهاق في بيئات العمل لا يأتي من المهام نفسها، بقدر ما يأتي من الشعور الدائم بأن الإنسان مطالب بإثبات نفسه طوال الوقت.

ولا تتوقف هذه المشاعر عند الدراسة أو العمل فقط، فحتى داخل الأسرة قد تشعر الأم أحياناً أنها تؤدي أدوارها اليومية بشكل آلي، تنتقل بين المسؤوليات دون أن تشعر بنفسها وسط كل هذا الركض. ليس لأنها لا تحب من حولها، بل لأن الإنسان حين يمضي وقتاً طويلاً دون مساحة نفسية يشعر فيها بذاته، يقترب منه الذبول الداخلي بهدوء لا يراه أحد. أما العلاقات الإنسانية، فهي الأخرى قد تتحول إلى مساحة استنزاف حين يشعر الإنسان أن عليه أن يخفي أجزاء من نفسه كي يبقى مقبولاً، أو أن يعيش طوال الوقت محاولاً إرضاء الآخرين على حساب راحته النفسية. فالإنسان لا يرهقه الرفض دائماً، بقدر ما يرهقه الشعور بأنه لا يستطيع أن يكون نفسه بالكامل.

ومع تراكم هذه التجارب، يكتشف الإنسان أحياناً أنه لم يكن متعباً من الحياة نفسها، بقدر ما كان متعباً من ابتعاده الطويل عن ذاته. ولهذا، فالإنسان لا يحتاج دائماً إلى مزيد من الحوافز بقدر حاجته إلى أن يشعر أنه ما زال حاضراً داخل حياته. يحتاج أن يطمئن أن صوته له مكان، وأن اختياراته محترمة، وأن أخطاءه لا تلغي إنسانيته. وربما لهذا لا ينسى الإنسان بعض التجارب بسهولة، ليس لأن أحداثها كانت عظيمة دائماً، بل لأن شعوره خلالها كان صادقاً. فالذاكرة الإنسانية لا تحتفظ فقط بما حدث، بل تحتفظ بالطريقة التي شعرنا بها ونحن نعيش ما حدث.

وفي النهاية، قد لا تكون المشكلة دائماً في ضعف الإنسان كما نظن، بل في البيئات التي تُطفئ دوافعه الداخلية بصمت، ثم تستغرب لماذا أصبح باهتاً ومتعباً وغير راغب في المحاولة. فالروح البشرية لا تزدهر تحت السيطرة المستمرة، ولا تنمو بالخوف وحده، بل تنمو حين يشعر الإنسان أنه حيّ فيما يفعل، وأن حياته لا تُعاش فقط لإرضاء التوقعات، بل ليشعر أنه ما زال نفسه وسط كل هذا العالم.