تحرك أميركي خليجي مشترك لتأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز

تحرك أميركي خليجي مشترك لتأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز

تترقب الأوساط السياسية والعسكرية في نيويورك تفاصيل التحرك الدبلوماسي المكثف الذي تقوده واشنطن والمنامة لإنقاذ مضيق هرمز من حالة الشلل الملاحي، حيث بدأت الولايات المتحدة بالتعاون مع مملكة البحرين صياغة مشروع قرار جديد في مجلس الأمن الدولي يهدف إلى وضع حد للانتهاكات الإيرانية المستمرة التي عطلت حركة التجارة العالمية وحولت الممر المائي الاستراتيجي إلى ساحة للتوتر الدائم والمساومات السياسية الخطيرة التي تهدد أمن الطاقة.

​حسب تقرير لـ وكالة الأنباء والبيانات الصحفية الصادرة عن بعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، فإن المندوب الأميركي الدائم مايك والتز كشف خلال مؤتمر صحافي عبر الهاتف عن تفاصيل المسودة التي تدين بشدة الهجمات والتهديدات المتكررة التي تشنها طهران ضد السفن التجارية، بالإضافة إلى ممارسات زرع الألغام البحرية وفرض رسوم غير قانونية تعسفية على السفن العابرة للمضيق الحيوي الذي يربط بين حقول النفط والأسواق العالمية.

​يسعى المشروع المقترح إلى توصيف الأعمال الإيرانية في منطقة مضيق هرمز بأنها تشكل تهديداً صريحاً للسلم والأمن الدوليين، وهو ما يمهد الطريق قانونياً لإدراج القرار تحت طائلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يسمح باتخاذ تدابير إنفاذ قسرية تشمل القوة العسكرية، وذلك لضمان حق جميع الطائرات والسفن في العبور الآمن والمستمر وفقاً لمبادئ القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار المبرمة قديماً.

​تتضمن مسودة القرار دعوة صريحة ومباشرة للجانب الإيراني للكف الفوري عن كافة الهجمات والتهديدات الموجهة ضد الملاحة التجارية، ووقف أي محاولات لعرقلة حرية الملاحة أو إعاقتها بأي شكل من الأشكال، حيث شدد المندوب الأميركي على أن المجتمع الدولي لن يقف مكتوف الأيدي أمام سياسات الترهيب التي تمارسها طهران في واحدة من أكثر الممرات المائية حساسية وأهمية بالنسبة للاقتصاد الكلي للدول المتقدمة والنامية على حد سواء.

آليات قانونية تحت الفصل السابع

​يركز أحد البنود الرئيسية والجوهري في المسودة على إلزام السلطات الإيرانية بالكشف الشامل عن عدد الألغام البحرية التي قامت بزرعها، وتحديد مواقعها الدقيقة في مضيق هرمز والمناطق المحيطة به لضمان سلامة السفن، كما يطالب القرار طهران بالتعاون الفني والامتناع التام عن التدخل في الجهود الدولية المبذولة لإزالة هذه الألغام، والتي تمثل خطراً داهماً يهدد البيئة البحرية وحياة البحارة المدنيين العاملين في الناقلات التجارية العالمية.

​يشدد المقترح الأميركي البحريني على ضرورة إنشاء ممر إنساني آمن ومستقر في المنطقة، يهدف بشكل أساسي إلى تسهيل تدفق السلع الأساسية والمواد الغذائية والأسمدة التي تعطلت إمداداتها بشكل كبير جراء الأحداث الأخيرة، حيث يرى واضعو القرار أن التعاون الإيراني مع الأمم المتحدة في هذا الصدد يعد مطلباً ملحاً لتفادي أزمة أمن غذائي عالمية قد تنجم عن استمرار إغلاق هذا الشريان المائي الذي تمر عبره كميات هائلة.

​يتضمن النص القانوني المقترح حظراً صارماً على أي دولة عضو في الأمم المتحدة من تقديم أي نوع من أنواع المساعدة أو الدعم لإيران في عمليات إغلاق مضيق هرمز أو تقييد المرور عبره، وفي المقابل يؤكد القرار على الحق المشروع للدول في الدفاع عن سفنها وحمايتها من الهجمات المسلحة، وذلك بما يتوافق مع القوانين الدولية المعترف بها والتي تضمن حماية السيادة الوطنية وحرية التنقل في المياه الدولية المشتركة.

​تأتي هذه الخطوة الدبلوماسية الجديدة بعد فشل جهود سابقة في مجلس الأمن نتيجة استخدام روسيا والصين لحق النقض الفيتو ضد قرار مماثل، ولكن واشنطن تراهن هذه المرة على صياغة أكثر تحديداً تركز على الجوانب التقنية والإنسانية والملاحية البحتة، مما قد يحرج الدول المعارضة ويجبرها على الانخراط في مفاوضات جادة تهدف لتأمين الملاحة بعيداً عن الاستقطابات السياسية الحادة التي ميزت الجولات السابقة من النقاشات الدولية.

تنسيق خليجي لإغاثة التجارة العالمية

​أوضح المندوب الأميركي مايك والتز أن المفاوضات الجارية هذا الأسبوع تهدف لبلورة نص توافقي يضمن تدفق السلع الأساسية، مشيراً إلى أن دولاً مثل المملكة العربية السعودية والكويت وقطر والإمارات تساهم بفعالية في صياغة البنود الفنية، لضمان إلزام طهران بالكشف عن مواقع الألغام التي زرعتها في المياه الدولية المحيطة بالمضيق، وتجنب أي تصعيد عسكري قد يؤدي لتفاقم الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تضرب القارة الآسيوية ودول العالم المختلفة.

​تحرص الدول الخليجية المشاركة في صوغ القرار على أن يتضمن النص مطالبات واضحة بوقف فرض الرسوم غير القانونية التي تحاول إيران فرضها على السفن العابرة، حيث تعتبر هذه الإجراءات انتهاكاً صارخاً للاتفاقيات البحرية الدولية ومحاولة لابتزاز المجتمع الدولي مالياً وسياسياً، مما يستدعي موقفاً موحداً من مجلس الأمن لرفض هذه الممارسات وضمان عودة حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى طبيعتها السابقة قبل اندلاع الأزمة الحالية المستمرة.

​يرى الخبراء أن مشروع القرار الحالي يتسم بأنه أضيق نطاقاً من الناحية السياسية مقارنة بالمشاريع السابقة التي كانت تهدف لتفويض القوة الدفاعية بشكل واسع، حيث يركز حالياً على قضية الألغام والرسوم الملاحية لضمان الحصول على أكبر دعم ممكن من الدول الأعضاء، خاصة وأن هذه القضايا تمس مصالح اقتصادية مباشرة لدول كبرى تعتمد على الطاقة والسلع المارة عبر هذا الممر المائي الحيوي الذي لا بديل له.

​تواصل الولايات المتحدة حشد التأييد الدولي لهذا المشروع من خلال اتصالات دبلوماسية مكثفة مع العواصم الكبرى، مؤكدة أن الهدف ليس التصعيد العسكري بل حماية القانون الدولي وحرية التجارة من أي محاولات لفرض واقع جديد بالقوة، حيث تسعى واشنطن لاعتماد القرار بشكل سريع خلال الأيام القادمة شريطة الحفاظ على التوافق بين الدول المعنية والمشاركة في صياغة النص النهائي الذي سيطرح للتصويت في الجلسة المقبلة.

مواجهة الابتزاز وحماية الأمن الطاقي

​أكدت المصادر الدبلوماسية أن الرسالة الأساسية التي يرغب المجتمع الدولي في إيصالها هي أنه لا يحق لأي دولة في العالم مهما بلغت قوتها أن تمارس الابتزاز ضد التجارة العالمية، مشددة على أن مضيق هرمز ملكية دولية من حيث حق المرور البريء والمكفول للجميع، وأن أي محاولة لتحويله إلى ورقة ضغط سياسي ستواجه برد فعل دولي حاسم ومنظم يستند إلى الشرعية والقوانين التي تحكم الملاحة الدولية.

​كانت المحاولات السابقة التي أجهضت من قبل القوى العظمى تسعى لتفويض استخدام القوة الدفاعية لحماية الناقلات، وهو ما أثار مخاوف من اندلاع حرب شاملة في المنطقة، لذا يأتي التحرك الحالي ليركز على الحلول الدبلوماسية والقانونية مع ترك الباب مفتوحاً أمام الفصل السابع في حال استمرار التعنت الإيراني ورفض الكشف عن الألغام أو الاستمرار في تهديد السفن التجارية التي تعبر الممر بشكل يومي وبكميات ضخمة.

​إن نجاح هذا القرار سيعني استعادة الثقة في منظومة الأمن الجماعي الدولي وفي قدرة مجلس الأمن على حماية المصالح الحيوية للعالم، خاصة وأن خُمس إمدادات النفط العالمية تمر عبر هذا الممر، مما يجعل أي اضطراب فيه سبباً في قفزات جنونية بأسعار الطاقة تؤثر على التضخم والنمو الاقتصادي في كافة القارات، وهو ما يدفع الدول الكبرى للبحث عن مخرج قانوني ملزم يضمن سلامة الملاحة الدولية واستدامتها.

​يبقى التحدي الأكبر هو مدى التزام طهران ببنود القرار في حال اعتماده، خاصة فيما يتعلق بالجانب التقني المرتبط بالألغام البحرية والممرات الإنسانية، ولكن الضغط الخليجي والدولي الموحد قد يدفع الأمور نحو التهدئة وإعادة فتح المضيق بشكل كامل، مما ينهي شهوراً من التوتر والقلق التي خيمت على حركة التجارة العالمية وأثارت مخاوف من انقطاع سلاسل الإمداد الحيوية التي تعتمد عليها ملايين البشر في حياتهم اليومية ومعيشتهم.

حاصل علي كلية الدراسات الإسلامية جامعه الازهر الشريف في القاهرة احب كتابة الأخبار والتريندات