«أبيك بكلمة راس».. الشايب بس يرسلك ومريح إخوانك! — سبق
المقال يوضح أن إكثار الأب من مناداة أحد أبنائه وطلباته المتكررة منه ليس استغلالاً ولا لأن الآخرين غير موجودين، بل لأنه يراه الأكثر أماناً وحناناً واتساعاً لطلباته، فيختاره كـ”عنصر موثوق” و”عكاز” يتكئ عليه في كبره. ويؤكد أن هذا الاصطفاء شهادة حب واستحقاق، وأن البرّ ليس مجرد قضاء مشاوير بل هو قلب…
اسمعني يا صاحبي..
حين يرتفع صوت “الشايب” في أرجاء البيت منادياً باسمك أنت.. من بين طابور طويل من الإخوة.
وحين تتحول شاشة هاتفك إلى منصة لطلباته التي لا تنتهي: “يا فلان.. خذني للموعد”، “يا فلان.. الصيدلية”، “يا فلان.. وينك؟”.
لا تظن -ولو للحظة- أنه نسي أسماء إخوتك، أو أنه اختار “تعبك” عمداً.
الحكاية، وما فيها، ليست “كرفة” أو “مشاوير”.. الحكاية هي (الاصطفاء).
في علم الإدارة والتخطيط، نحن نبحث دائماً عن “العنصر الموثوق” ذلك الذي يمتلك أعلى درجات الاستجابة وأقل احتمالات الخذلان. والوالدان، بفطرتهما العميقة، يمارسان هذا النوع من “التخطيط العاطفي” دون وعي
الأب، حين يثقل كاهله العمر، لا يبحث عن “الأقوى” بدنياً، بل يبحث عن “الأحن” روحاً.
هو لا يرسلك لأنك “فارغ”، بل يرسلك لأنه يثق أن “خاطرك سمح”، وأنك المرفأ الذي لا تضطرب أمواجه مهما كثرت العواصف.
نعم أنت.. يا من يظن إخوتك أنك “المتفرغ” الدائم لطلباته..
أنت في الحقيقة “صندوق أمانات” قلبه.
والحقيقة التي قد تغيب عنك هي أن ميل قلب الوالدين تجاه ابن بعينه ليس تحيزاً ظالماً، بل هو “استثمار في الأمان”. الأب في كبره يصبح كطفل يخشى الغرباء، ولا يطمئن إلا لمن يمنحه “الأمان النفسي” قبل الخدمة المادية. هو يرسلك أنت لأنه لا يخشى “زعلَك”، ولا يتحرج من لومك و من “إعادة الطلب” عليك، ولأنه يثق أن “خاطرك سمح” وأن روحك “هينة لينة”.
في موازين البشر، قد تبدو “خادماً” لطلباته.
ولكن في موازين “الحب”، أنت المختار.
أنت “العكاز” الذي لا ينكسر، الذي يتكئ عليه لئلا يسقط هيبةً أمام الآخرين والظِل الذي يستجير به من شمس المشيب.
اعتماده عليك في مواعيده، وزياراته، وتفاصيل يومه الصغير، هي “شهادة استحقاق” لا تُمنح إلا لمن امتلك قلباً يتسع لكل هذا البر.
يا بني..
هذه الطلبات المتكررة هي “رسائل حب” مشفرة.
يقول لك فيها بلا كلمات: “أنا لا أطمئن إلا معك.. ولا أرتاح إلا بوجودك”.
فلا تبتئس بضريبة التميز، فغيرك يملك الوقت والقوة، ولكنك أنت وحدك من ملكت “مفتاح” الطمأنينة في قلب والدك.
لكن.. احذر أن تكون الطرف الآخر من الحكاية.
يا بني، الهيبة مع الوالدين “عقوق مستتر”. إذا كان أبوك يخشى طلبك، أو يتردد ألف مرة قبل أن يزعجك، فأنت لم تكسب وقاراً.. أنت خسرت جنة. الأب لا يخشى إلا من استثقل ظله، وانكسار الأب في عجزه عن مناداة ابنه غصة لا تمحوها الأيام.
خلاصة الكلام:
البر ليس “مشواراً” تقضيه.. البر هو “قلب” تهديه.
وهنيئاً لمن كان لوالده.. هو “الوطن”.

تعليقات