الزيدي في قصر الرئاسة.. كواليس صفقة ترامب وطهران في العراق

الزيدي في قصر الرئاسة.. كواليس صفقة ترامب وطهران في العراق

في العراق، ​بدأت فصول القصة في يناير عام ٢٠٢٦ حين أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحذيراً شديد اللهجة هز أركان العملية السياسية.

 هدد ترامب حينها بقطع كافة أشكال الدعم في حال عودة نوري المالكي للسلطة. لكن المفارقة تجلت بعد ثلاثة أشهر فقط، حين سارع البيت الأبيض لمباركة تكليف علي الزيدي، المصرفي الشاب الذي صعد من كواليس المال والسياسة ليصبح واجهة لمرحلة غامضة.

​وحسب تقرير لصحيفة “الشرق الأوسط”، فإن التحول المفاجئ في موقف واشنطن تجاه مرشح “الإطار التنسيقي” لم يأتِ من فراغ. بل سبقه اتصال هاتفي أجراه توم براك، مبعوث ترمب الخاص، بالزيدي قبل يوم واحد من التهنئة الرئاسية. هذا الاتصال مهد الطريق لصفقة محتملة، حولت الزيدي من مجرد اسم مطروح للتسوية إلى رجل المرحلة الذي حظي بإجماع القوى الشيعية ومباركة الخصم الأميركي اللدود.

​كان وقع التكليف في بغداد سريعاً ومربكاً، إذ جرى الإعلان عن تكليف الزيدي في قصر الرئاسة بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للإعلام. جاء هذا الظهور المفاجئ عقب تقارير عن زيارة سرية لقائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى العاصمة العراقية. ولا يزال الغموض يكتنف الدور الإيراني في هذه المعادلة، وما إذا كانت طهران قد وافقت على الصفقة أم أنها اضطرت للقبول بواقع جديد.

​انخرطت القوى السياسية في سباق محموم لإيجاد بديل مقبول يتفادى الصدام المباشر مع البيت الأبيض بعد “الفيتو” القاطع ضد المالكي. قلصت التهديدات الأميركية الخيارات المتاحة أمام قادة الإطار التنسيقي، مما دفعهم للدخول في جولات مضنية من التفاوض وكسر الإرادة. وفي نهاية المطاف، برز اسم علي الزيدي كخيار تكتيكي يمتلك القدرة على تهدئة العواصف الدولية وضمان استمرار تدفق الدعم الاقتصادي والمالي للبلاد.

تحولات المواقف وصمت الفصائل في العراق

​المثير للدهشة في هذه الرحلة هو غياب ردود الفعل الغاضبة من الجماعات الموالية لطهران تجاه التقارب الودي بين الزيدي وواشنطن. ففي العادة، تشتعل منصات “محور المقاومة” بالنقد العنيف لأي تواصل مع الجانب الأميركي. لكن بعد تهنئة ترمب، ساد صمت مطبق ومفاجئ، مما يشير إلى وجود تعليمات عليا بتهدئة الأجواء وإعطاء فرصة للمكلف الجديد لتجاوز الأزمات المعقدة التي تحيط بالدولة.

​وبدلاً من موجات النقد، انبرى صقور الإطار التنسيقي لتقديم المشورة للزيدي عبر وسائل الإعلام بضرورة اختيار “شخصيات قوية” في كابينته الوزارية. تعكس هذه التحركات رغبة الأطراف المتنفذة في ضمان حصصها داخل الحكومة الجديدة، مع الحفاظ على واجهة مقبولة دولياً. يبدو أن الزيدي، القادم من عالم المصارف، يمتلك مفاتيح التوازن التي تفتقر إليها القيادات السياسية التقليدية التي أصبحت عبئاً على علاقات بغداد الخارجية.

​تحول الزيدي في غضون أيام من شخصية مالية الظل إلى لاعب أساسي في معادلة التوازن بين واشنطن وطهران. يرى مراقبون أن هذا التكليف يمثل ذروة التنافس على إيقاع القرار العراقي، حيث تحاول كل قوة فرض رؤيتها. ومع ذلك، فإن السلاسة التي مر بها التكليف توحي بأن هناك نقاط تلاقٍ خلف الكواليس، ربما تتعلق بتخفيف الضغوط الاقتصادية مقابل تنازلات سياسية معينة في ملفات إقليمية حساسة.

​تلقى الزيدي تهنئة ترمب التي تضمنت دعوة صريحة لتشكيل “حكومة خالية من الإرهاب” وزيارة واشنطن في أقرب وقت. هذا الخطاب المباشر يعكس رغبة أميركية في إعادة صياغة العلاقة مع بغداد بعيداً عن نفوذ الشخصيات المصنفة في قوائم الرفض. إن قبول القوى الشيعية بهذا الخطاب دون تحفظات معلنة يشير إلى عمق الأزمة التي كانت تعيشها، وحاجتها الماسة لمخرج ينقذ النظام السياسي من الانهيار الكامل.

الرهانات السياسية ومستقبل الحكومة في العراق

​يميل المطلعون على الكواليس السياسية إلى وصف الزيدي بأنه “مفتاح باب صغير لصفقة أوسع” قد تشمل ملفات تتجاوز حدود العراق. ربما استمع ترمب لعرض مغرٍ من أطراف فاعلة في بغداد جعلته يغير لهجته الحادة إلى لغة ترحيبية. الزيدي لم يكن غريباً عن غرف القرار، بل كان بمثابة “البطاقة الرابحة” المؤجلة، التي تم إخراجها في اللحظة المناسبة لكسر الانسداد السياسي الخانق الذي دام لأشهر طويلة.

​وتبرز في الأفق ثلاثة سيناريوهات لمستقبل هذه الحكومة، أولها احتمال إخفاق الزيدي في نيل ثقة البرلمان، ليكون مجرد أداة لامتصاص الاحتقان وتجهيز بدائل أخرى. هذا التكتيك ليس جديداً، إذ دأبت بعض القوى على استخدامه للمناورة وكسب الوقت. وفي هذه الحالة، سيعود الإطار التنسيقي للمربع الأول، ولكن بعد أن يكون قد خفف من وطأة الضغوط الدولية المؤقتة التي هددت استقراره السياسي.

​أما الاحتمال الثاني فيفترض نجاح الزيدي في العبور نحو مرحلة انتقالية قد تمتد لسنتين، تتخللها ترتيبات لإجراء انتخابات مبكرة. هذا السيناريو يتطلب تنسيقاً عالياً وغير معلن مع التيار الصدري وزعيمه مقتدى الصدر، الذي يراقب المشهد من بعيد. قد يجد الصدر في هذا المسار فرصة لتطهير الساحة من بعض الرموز المرفوضة، مما يجعل من حكومة الزيدي جسراً لمرحلة سياسية جديدة تعيد رسم الخارطة النيابية.

​والاحتمال الثالث، وهو الأكثر ترجيحاً، يشير إلى وجود صفقة مسبقة مع الأميركيين برعاية المبعوث توم براك، تهدف لتحجيم النفوذ الصيني المتنامي. فواشنطن قد تكون مستعدة لتخفيف قبضتها على بعض الملفات مقابل ضمانات عراقية واضحة بخصوص الشراكات الاقتصادية الكبرى. إن تهنئة ترمب الحارة تحمل في طياتها توقعات بـ “ثمن كبير” ستدفعه بغداد مقابل استعادة ثقة البيت الأبيض وتجنب العقوبات الاقتصادية المدمرة.

آفاق التوازنات الدولية ومصير العراق

​إن نجاح الزيدي في تشكيل حكومته سيعني أن بغداد قد اختارت طريق الواقعية السياسية لتفادي العزلة الدولية الخانقة. فالبلاد التي تقع بين فكي كماشة واشنطن وطهران لا تملك ترف الاختيار المطلق، بل تتحرك في مساحات المناورة المتاحة. يبدو أن ترشيح شخصية مصرفية كان الهدف منه طمأنة الأسواق العالمية وضمان تدفق الدولار، وهو الشريان الحيوي الذي يغذي مفاصل الدولة العراقية المترهلة والمهددة بالانهيار الاقتصادي.

​من جانبها، تلتزم طهران صمتاً استراتيجياً قد يفسر على أنه قبول ضمني بالصفقة مقابل تخفيف الضغوط عنها عبر بوابة بغداد. فالساحة العراقية كانت دائماً صندوق بريد للرسائل بين القوتين، وتكليف الزيدي قد يكون إحدى هذه الرسائل التي تحمل طابع التهدئة. وإذا ما نجحت هذه التجربة، فقد نشهد فصلاً جديداً من الاستقرار الهش، تحكمه توازنات المصالح الاقتصادية بعيداً عن الشعارات الأيديولوجية الصاخبة التي طغت سابقاً.

​ويرى خبراء أن تحركات الزيدي القادمة ستكشف بوضوح عن طبيعة التزاماته تجاه الأطراف الدولية والمحلية التي دعمته. فتشكيل الحكومة ليس سوى البداية، والتحدي الحقيقي يكمن في تنفيذ برنامج يلبي شروط ترمب “لخلو الحكومة من الإرهاب”. هذه العبارة قد تعني إبعاد فصائل معينة عن مراكز القرار الحساسة، وهو أمر يتطلب جرأة سياسية كبيرة قد تضع الزيدي في مواجهة مباشرة مع بعض حلفائه في الإطار التنسيقي.

​ يبقى مستقبل العراق معلقاً بقدرة الزيدي على إدارة هذا التوازن الدقيق بين المطالب الأميركية والضغوط الإيرانية والمصالح الحزبية الداخلية. الرحلة التي بدأت بتهديد وانتهت بتهنئة، تعكس بوضوح أن السياسة في بغداد لا تعترف بالثوابت، بل بالمصالح المتغيرة.

وسواء كان الزيدي رجل “الصفقة الكبرى” أو مجرد مرحلة انتقالية، فإن الأيام القادمة ستحدد ما إذا كانت هذه التهدئة هي مقدمة لاستقرار حقيقي أم مجرد استراحة محارب.

حاصل علي كلية الدراسات الإسلامية جامعه الازهر الشريف في القاهرة احب كتابة الأخبار والتريندات