لماذا (يشطح) بعض أصحاب الشهادات العلمية؟!

لماذا (يشطح) بعض أصحاب الشهادات العلمية؟!

إذا كنت تظنُّ أنَّ المهندسين والأطبَّاء ومَن في حكمهم من أصحاب الشِّهادات العلميَّة الصَّعبة، بمنأى عن الخرافات و(الاضطرابات)، والتفكير (الشاطح)، فأنت مخطئ بالتأكيد.. فالتجارب شرقًا وغربًا، تثبت أنَّ بلوغ أعلى الدرجات العلميَّة لا يعني بالضرورة امتلاك عقلٍ متزنٍ، ولا حصانة ضد الوقوع في أوهام تصطدم بأبسط قواعد المنطق.. فكم من عقولٍ لامعةٍ في تخصصها، زلَّت، وتبنَّت أفكارًا شاذَّةً؛ إمَّا رغبةً في الشهرة، أو يقينًا زائفًا بأنَّها ترى ما لا يراه الآخرُون.. فالعلم يمنحك أدوات التفكير، لكنَّه لا يضمن لك دائمًا سلامة استخدامها.
أعادت قضية الطبيب ضياء العوضي -رحمه الله- طرح هذه الحقيقة من جديد، فالرجل لم يكن شخصًا عاديًّا، بل طبيب مؤهل، وله مسيرة أكاديميَّة محترمة، لكن ذلك لم يمنعه من الانزلاق إلى تبنِّي (تصوُّرات) مثيرة للجدل، تجاوزت الإطار العلميَّ إلى مساحات اختلط فيها العلم بالانطباع الشخصيِّ الواهم.. وحالته هذه ليست استثناءً، بل هو نموذج يتكرَّر بأشكال مختلفة حتى في أعتى معاقل العلوم، ففي الولايات المتحدة -مثلًا- تظهر بين حين وآخر مجموعات من أطباء وأكاديميِّين يتبنُّون نظريَّات مؤامرة طبيَّة، تشكك في اللقاحات تارة، وتزعم وجود تواطؤ عالمي بين شركات الأدوية والهيئات الصحيَّة لإخفاء «الحقيقة» تارات أخرى.. والمفارقة أنَّ هذه (الشطحات) تجد قبولًا متناميًا لدى شرائح واسعة، ليس في أمريكا وحدها، بل في أنحاء مختلفة من العالم، ربما بسبب مغالطة خادعة، فحين يتحدَّث المتعلّم بلقبه العلميِّ، تكتسب الفكرة مصداقيَّة زائفة وتصبح أكثر تأثيرًا وخطورةً.
السؤال الحقيقي إذن ليس: لماذا يخطئ بعض العلماء؟، بل: لماذا نظنُّ نحنُ أنَّهم لا يخطئُون؟.. الحقيقة أنَّنا نُضفي على الشهادات هالةً أكبرَ ممَّا تستحق، ونخلط بين «المعرفة المنضبطة»، و»الشهادة العالية».. فالطبيب قد يكون بارعًا في مهنته، لكنَّه في النهاية إنسان عادي، يخضع لنفس الانحيازات العقليَّة والعاطفيَّة، ولنفس الرغبة في التميُّز، وإغراء «أنْ يكون مختلفًا».. بل ربما تكون عند بعضهم أشد.. فالبعض كلَّما ارتفع علمه، زادت ثقته.. إلى حدٍ يتجاوز المنهج الذي درسه.
ويفسِّر علم النفس تضخم هذه الحالات بأنَّها في الغالب ليست انحيازًا واحدًا، بل تداخل عدة آليات نفسيَّة تعمل في نفس الاتجاه، حتى تُنتج في النهاية «قناعة راسخة»، وإن كانت مغلوطة.. بداية ممَّا يُعرف بـ(التحيُّز المعرفي)، وهي أخطاء منهجيَّة في التفكير تجعله يرى ما يوافقه ويتجاهل ما يخالفه.. ومع الوقت، يتغذَّى هذا الميل عبر (الانحياز التأكيدي)، حيث يبدأ العقل في انتقاء الأدلة التي تدعم فكرته فقط، فيبدو له أنَّه يملك «حقيقة كاملة»، بينما هو في الواقع يملك جزءًا مبتورًا منها.. ثمَّ تتضاعف المشكلة مع ما يُعرف بـ (تأثير الثقة المفرطة)؛ فكلَّما توسَّعت خبرة الإنسان في مجال معيَّن، زادت ثقته بنفسه، وقد تمتد -دون وعي- إلى مجالات لا يتقنها، وصولًا إلى (تأثير دونينغ – كروجر)، حيث لا يبالغ الشخص في تقدير معرفته فحسب، بل يقع في وهم أنَّه قادر على فهم كل شيء بنفس العمق الذي يفهم به تخصُّصه!.
ومع مرور الوقت، تتحوَّل الفكرة من رأي قابل للنقاش إلى «هويَّة ذهنيَّة خاصَّة»؛ يدافع عنها صاحبها بكل ما يملك، لا لأنَّها صحيحة، بل لأنَّها أصبحت جزءًا منه.. عندها لا يعود نقاشه بحثًا عن الحقيقة، بل محاولة لحماية هذه القناعة.. وهنا تتعقَّد المشكلة، ليس لأنَّ الفكرة صحيحة، بل لأنَّ العقل الذي يحملها؛ توقف عن مراجعتها.
باختصار:
الشهادة ليست مقياسًا لتوازن العقل، ولا ضمانًا لسلامة التفكير.. بل إنَّها قد تتحوَّل -في بعض الحالات- إلى أداة مغالطة تمنح الخطأ ثقةً أكبرَ، وصوتًا أعلَى.. فلا تنخدع ببريق الألقاب، فليست كل فكرة تُقال بثقة صحيحة بالضَّرورة.

حاصل علي كلية الدراسات الإسلامية جامعه الازهر الشريف في القاهرة احب كتابة الأخبار والتريندات