رقي التواصل — سبق
يؤكد المقال أن قيمة الإنسان تُقاس بما في قلبه من صدق وكرامة لا بما يملك من حضور أو مظهر، ويحذّر من القسوة الخفية في نظرة الاستعلاء أو التجاهل التي تكسر القلوب. يستشهد بقصة عتاب الله للنبي ﷺ في سورة عبس لتقرير أن الكرامة لا تُرتَّب بالمناصب والوجاهة، بل بالقرب من الله وصفاء النية. وينتهي إلى أن…
في زحام الحياة، يعتاد بعض الناس أن ينظروا إلى الآخرين بميزان الصورة، لا بميزان القيمة؛ فيُعطون الاهتمام لمن يملك الحضور، ويؤخرون من لا يملك سوى قلبه. لكن الحقيقة التي كثيرًا ما تغيب: أن الإنسان لا يُوزن بما يظهر، بل بما يحمل في داخله من صدقٍ وكرامةٍ ونور.
إن أشدّ صور القسوة ليست في كلمةٍ جارحةٍ فقط، بل في شعورٍ خفيّ بالاستعلاء، في نظرةٍ عابرةٍ تُشعر إنسانًا أنه أقل، أو في التفاتةٍ ناقصةٍ توحي له أنه لا يستحق. وما أقسى أن يُكسر قلبٌ لا لذنبٍ اقترفه، بل لأنه لم يكن في نظر الناس مهمًّا بما يكفي.
ومن رحمة الله بهذه الأمة، أنه لم يترك هذا الباب دون تهذيب، فجاء في ( سورة عبس ) درسٌ يهزّ القلب قبل العقل، ويُعيد ترتيب معنى الكرامة في نفوسنا. ففي لحظةٍ كان فيها النبي ﷺ منشغلًا بدعوة وجوه القوم، جاء ( عبدالله بن أم مكتوم ) – الرجل الكفيف – الذي جاء بقلبٍ متعطشٍ للنور، يطلب العلم والهداية. فلم يكن منه ﷺ إلا انشغالُ لحظةٍ، فجاء العتاب من السماء، رقيقًا في لفظه، عظيمًا في معناه:
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾.
يا لعظمة هذا المشهد ، السماء كلها تتحرك لتقول للبشر: لا تُقاس الأرواح بالمظاهر، ولا تُرتَّب القلوب بحسب المكانة، ولا يُؤخَّر صاحب الحاجة لأن غيره أرفع شأنًا في أعين الناس.
إنها رسالةٌ خالدة: ربما يكون الإنسان الذي لا يلتفت إليه أحد، هو الأصدق قلبًا، والأطهر نيةً، والأقرب إلى الله. وربما تمرّ بك روحٌ منكسرة، لا تريد منك مالًا ولا نفعًا، بل فقط كلمةً تحفظ كرامتها، أو إنصاتًا يرمم شيئًا في داخلها.
التواصل الراقي ليس أن تعرف كيف تُبهر الناس بحديثك، بل أن تعرف كيف لا تجرح أحدًا بصمتك. ليس في انتقاء الكلمات الجميلة فقط، بل في حضور القلب، ولطف النظرة، وعدالة الشعور.
أن تُنصت للضعيف كما تُنصت للقوي، وأن تُكرم البسيط كما تُكرم صاحب المنصب، وأن تمنح كل إنسان شعورًا بأنه مرئيّ، ومسموع، ومقدَّر ، هذا هو السمو الحقيقي.
همست في نفسي بصمت و تذكرت : أن لا تحتقر أحدًا، لأنك لا تعرف كم معركةً يخوضها بصمت.
ولا تُشعر أحدًا بصغره ، فلعلّ قلبه عند الله أعظم من قلوبٍ كثيرة. ولا تمرّ على الناس ببرود ، فبعض الأرواح يكفيها لطفٌ صغير لتشفى. في هذه الحياة، قد تنسى الناس كلماتك، لكنهم لا ينسون أبدًا كيف جعلتهم يشعرون. فاختر أن تكون أثرًا طيبًا، ووجهًا رحيمًا، وصوتًا لا يجرح ، لأن الرقي الحقيقي في تواصلك يبدأ من احترام الإنسان، أيًّا كان.

تعليقات