كيف يكبر الكبير؟ – جريدة المدينة
المقارنة العالميَّة تكشف طبيعة المرحلة. صناديق مثل Norway Government Pension Fund Global تعمل في اقتصاد ناضج يحمي ثروة متراكمة بمنطق الاستقرار طويل الأجل، والصندوق السعودي يتحرَّك داخل اقتصاد يعيد تشكيل نفسه، يحوِّل المورد إلى جسرٍ نحو ما بعده. تعريف النمو يتغيَّر: رقم يتَّسع في نموذج، وقدرة إنتاجيَّة تمتد في نموذج آخر.
أصول تجاوزت 3.4 تريليونات ريال بنهاية 2025، ونمو يقارب ستة أضعاف منذ 2015، تعكس انتقالًا مقصودًا نحو بنية تنتج نفسها. استثمارات محليَّة تجاوزت 750 مليار ريال خلال 2021 – 2025، ساهمت بنحو 910 مليارات ريال في الناتج غير النفطيِّ، ما يعادل قرابة ثلث نموِّه التراكمي. الأرقام تقود الفكرة وتثبتها، وتكشف أنَّ الاتِّجاه يعمل.
يمتد هذا التوجُّه إلى الأصول نفسها. شركات الصندوق تتحوَّل إلى منصَّات تنافسيَّة عالميَّة، تُعَاد هندسة نماذج أعمالها، وتُرفَع كفاءتها، وتُربَط بفرص تتجاوز السوق المحلي. هذا التحوُّل يرفع كفاءة الأصل ويضاعف عائده، ويقود الشركة إلى موقع تنافسيٍّ عالميٍّ يجعلها جزءًا من تشكيل السوق. القيمة تُبنى داخل الأصل، فيتحوَّل إلى مصدر إنتاج مستمر، وتترسَّخ قدرة تنافسيَّة تحمل نفسها عبر الزَّمن.
الأثر يصل إلى المجتمع بصورة مباشرة. مشروعات تُولِّد وظائف نوعيَّة، قطاعات تُفتح، خيارات اقتصاديَّة تتَّسع. المدينة تتحوَّل إلى بيئة إنتاج، والعمل إلى مسار يبني قيمة، والشابُّ يدخل سوقًا يرى فيه تخصصه مرتبطًا بواقعٍ، فتتحدَّد فرصه بقدر كفاءته. جودة الحياة تظهر كنتيجة تشغيليَّة لمنظومة تعمل بكفاءة أعلى، واقع يلمسه الفرد في يومه قبل أنْ يقرأه في تقرير.
هذا البناء لا يتحرَّك بذاته. الفرد هو الذي يفعِّله. المهارة تتحوَّل إلى قيمة، القرار يتحوَّل إلى أثر، والمبادرة تصنع الفارق بين مَن يمرُّ داخل المنظومة ومَن يصنع موقعه فيها. الجهات التعليميَّة تضع الأساس، الوزارات تهيئ البيئة، المؤسَّسات تفتح المسارات، وكل طرف يختبر نفسه بقدر قدرته على قراءة الاتِّجاه. مَن يفهم المنظومة يتحرَّك معها، ومَن يتأخَّر عنها يبتعد عن مركزها.
كفاءة هذا البناء ترتبط بقدرة التعليم على إنتاج مهارة، وبقدرة المدينة على تحويل الوقت إلى قيمة. الزَّمن عنصر إنتاج، الخدمة أداة تسريع، المساحة منصَّة عمل. عند هذه النقطة يتحدَّد مستوى ما تصنعه المنظومة فعليًّا.
هذه الكتلة الاستثماريَّة تضع سؤالًا مباشرًا: متى تتحوَّل إلى تدفُّقات تغطِّي العجز؟ ميزانيَّة تقارب 1.3 تريليون ريال، وعجز في حدود 165 مليارًا، وأداء استثماري يولِّد عوائد سنويَّة في نطاق 230 إلى 270 مليار ريال تقريبًا، أرقام تفتح الباب لفكرة التغطية. هذه العوائد تعود إلى داخل المنظومة، تُعاد استثمارها، تُستخدَم لرفع كفاءة الأصول، وتوسيع الشراكات، فتتحوَّل من تدفُّق نقديٍّ قصير إلى قدرة إنتاجيَّة طويلة. التغطية الكاملة للعجز تصبح ممكنةً عند استقرار عوائد صافيَّة تتجاوز 8 إلى 10 بالمئة بعد خصم إعادة الاستثمار، وعند اتِّساع مساهمة القطاع الخاص في التمويل، وعند انتقال جزء أكبر من المحفظة إلى عوائد ماليَّة مستقرَّة. هذا المسار يحتاج وقتًا يمتد إلى ما بعد 2035، حيث تنضج المنظومات، وتتحوَّل إلى مصادر دخل مستمرَّة. الصورة الحاليَّة تشير إلى اتِّجاه واضح: الصندوق يرفع الإيرادات غير النفطيَّة من الداخل، فيقل العجز تدريجيًّا دون أنْ يتحوَّل إلى مموِّل مباشر له.
يمتد التأثير خارج الحدود. تنويع الاستثمارات يوزِّع المخاطر، ويرفع قدرة التكيُّف، والحضور العالمي يتحوَّل إلى عنصر تأثير ضمن معادلات أوسع، قوة تُبنى بالفعل وتترسَّخ عبر الاستمراريَّة.
في قلب هذا التحوُّل معادلة دقيقة: طموح يفتحُ مساراتٍ واسعةً، وانضباط يضمنُ استمراريتها. قدرة المشروعات على تحقيق جدواها اقتصاديًّا عبر الزَّمن، كفاءة رأس المال داخل منظومة تتَّسع، استيعاب السوق لهذا الاتِّساع، عناصر تحدِّد شكل المرحلة المقبلة. المسؤوليَّة موزَّعة بوضوح بين الدولة والسوق والفرد.
الدولة تعيد تشكيل اقتصادها؛ ليصنع ما تحتاجه، المجتمع يدخل هذا البناء بقدر ما يقدِّم فيه.
هكذا يكبرُ الكبيرُ.

تعليقات