شريف سمير

صفقة .. وليست "خدعة"!

قبل الانسياق وراء مصطلح "صفقة القرن" والنقاش العقيم حول أسباب إطلاق هذا الوصف، سواء من كان من صناعة الإعلام أم أنه يعبر عن خطوة تاريخية نحو تسوية عادلة للقضية الفلسطينية "المركزية" فى الشرق الأوسط .. علينا أن نركز قراءتنا على بنود الصفقة أولا، ونمعن النظر فى تفاصيلها ثانيا خوفا من "الشيطان" الكامن فى كلماتها وحروفها ويتلاعب بالألفاظ بين سطورها .. ثم نفكر مليا قبل اتخاذ موقف أو قرار بشأن المساعى والخطط المدبرة بحنكة وحرفية سياسية عالية لتسويق الصفقة وتمريرها دون اعتراض أو تذمر!.

وأي صفقة لايفترض فيها الخداع أو المساومة والتنازل إذا تحلي الأطراف جميعا بقوة الشخصية وثبات الرأى والمبدأ فضلا عن ذكاء التفاوض .. بل إن المنفعة قد تتحقق فى حالة الوضوح والشفافية واختفاء الضعف أو الخضوع للآخر .. وعند الاطلاع على الاتفاق المطروح نكتشف أن البعد الاقتصادى هو محور التحرك انطلاقا من الرقم الضخم المكتوب فى صدارة المشهد وهو ٥٠ مليار دولار كمقدمة لإقامة نحو ١٧٩ مشروعا للبنية الأساسية وقطاع الأعمال داخل المناطق الفلسطينية، على أن يتم إنفاق نصف المبلغ (٢٥ مليارا) على القطاعات المتعثرة اقتصاديا على مدار ١٠ سنوات، ويتقاسم النصف الآخر كل من مصر ولبنان والأردن، وهنا بيت القصيد للحصول فى الصفقة على شركاء من بطن المنطقة ودول الجوار للاستعانة بأموالهم ومواردهم لإغاثة الشعب الفلسطينى وتجديد الحياة لأبنائه .. وتلك الزاوية قد تلقى مباركة من الرأى العام العربى تعاطفا مع الأخوة الفلسطينيين ومحنتهم، غير أنها مشروطة بتقديم ضمانات من مهندسى الصفقة حول آلية الإنفاق وشكل وطبيعة الحياة الإنسانية المطلوب توفيرها لشعب فقد أرضه ولايزال يدفع من كرامته ودماء وأرواح شهدائه الأبرار .. ومن ثم يتعين على الأطراف العربية المذكورة فى الاتفاق أن تنتبه لـ "لعبة" إغرائها بالمساهمة المادية، وتضع معايير صارمة ودقيقة لحماية حقوق الفلسطينيين فى هذه المشروعات المنتظرة!.

بند آخر يتطرق إلى مشروعات فى شبه جزيرة سيناء لضخ استثمارات تفيد الفلسطينيين الذين يعيشون في قطاع غزة المجاور، وصولا إلى رصد مليار دولار لبناء قطاع السياحة في الضفة وغزة، وبناء ممر لتنقل الفلسطينيين بين المنطقتين عبر إسرائيل، وأيضا يتولى العرب النصيب الأكبر من التنفيذ والتمويل .. وأتصور أن السياسة المصرية على وعى كامل وفطنة تامة بالمحاولات الخبيثة للالتفاف حول حقوق الفلسطينيين لإقامة دولتهم على أرضهم دون البحث عن بدائل أو أوطان أخرى على أرض الغير، حتى ولو كانت فى مصرنا الحاضنة لكل الأشقاء واللاجئين .. ومايطرحه هذا الشق يجدد المخاوف من التفريط فى حلم الدولة الفلسطينية المستقلة فى الضفة وغزة، خصوصا وأن الترويج للنهضة الاقتصادية المنشودة من الصفقة يتقاطع مع ممارسات يومية مشبوهة من "عصابة" الاحتلال الإسرائيلى يتزعماها رئيس الوزراء العنصرى بنيامين نتنياهو لبناء مستوطنات جديدة فى غزة والضفة لابتلاع الأراضى الفلسطينية واقتلاع الشعب من جذوره، فلا يتبقى أمام الفلسطينيين المشردين سوى التعلق بآمال "مشروعات" الصفقة بينما تواجه قضيتهم الأم شبح التصفية وتتعرض الأرض للسرقة والقرصنة العلنية .. وأيضا تحت غطاء أمريكى معروف، وتواطؤ دولى مكشوف، وصمت عربى مرفوض!.

ولقد كتب جاريد كوشنر المستثمر اليهودى، وصهر الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بنود الصفقة المريبة بحسابات المكسب والخسارة وبما يغازل الكتلة العربية اقتصاديا، وطموحات الفلسطينيين نحو حياة كريمة بعد عقود الغضب والشقاء، وسبق خطته الاعتراف الأمريكى الصارخ بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل وإعلان هضبة الجولان "أرضا" إسرائيلية .. ولاتزال الصفقة مطروحة وصناديق الاستثمار فيها مفتوحة لابتزاز أموال ومليارات العرب لتوفير حل مؤقت ومسكنات اقتصادية للقضية الفلسطينية بعد أن فشلت التسوية السياسية على مدار أجيال، بل وتسير خيوط المؤامرة الكبرى لتمكين العدو الإسرائيلى من أراضى الضفة وغزة مقابل "حفنة" من المشروعات فى مناطق أخرى تعويضا عن الأرض الأصلية .. فهل هذا يُعقل ويقبله أى ضمير وطنى أو إنسانى؟!.

- إن منطق الصفقات مقبول مع الأقوياء، ومحظور مع الضعفاء أو المتخاذلين أو المنبطحين .. ولا مصادرة على التفاوض حول تلك البنود، ولكن دون ربطها بالحل السياسى القائم على منح الفلسطينيين حقوقهم المشروعة والتاريخية فى نيل استقلالهم واسترداد أراضيهم المغتصبة وإعادة إعمارها وفقا لنفس البنود .. وأتصور أن هذه هى الطريقة المُثلى والعادلة لإنصاف أشقائنا فى قضيتهم ومصيرهم .. وأعتقد أننا أكبر وأقوى وأذكى من الانخراط فى هذا النوع من "الفجور السياسى" المغلف بصفقات سماسرة العالم والرؤساء "التجار" ..

وما نسجله الآن من شهادة متواضعة حول هذا الفيلم المحبوك إلا جرس إنذار ودعوة للاستيقاظ من الغفوة والغفلة .. ومرحبا بـ "صفقة القرن" بأصولنا وشروطنا، أما ما يجرى تسويقه سياسيا وإعلاميا فهو قمة "الخدعة"، وسنكون نحن أول ضحاياها ونتجرع مع إخوتنا الفلسطينيين نفس كأس الهزيمة والإذلال .. ومازالت الفرصة سانحة .. وفى العمر بقية للحياة بشرف .. وكرامة!.

التعليقات

التعليقات

الأكثر قراءة اليوم

powered by MyDasht