كي لا تسقط من الذاكرة.. مهندس يروي تاريخ المدن الفلسطينية بـ"خريطة للأطفال"

خريطة فلسطين

خريطة فلسطين

قبل سنوات انتقل المهندس الفلسطيني "عمر عاصي" إلى ألمانيا لاستكمال دراسته المتعلقة بعلم النباتات والاستشارات البيئية، وخلال الفترة التي قضاها هناك كان لا يكف عن التردد على المكتبات، لا يطالع الكتب فحسب بل يستشكف من خلالها العالم الجديد الذي ألقته فيه ظروف العمل والدراسة، فلاحظ إقبال الناس الشديد على خرائط الأطفال، حينها طرقت مخيلته بقوة؛ أن يقوم بعمل خريطة لأطفال فلسطين، تحوي كل المدن الفلسطينية وما يميز كل مدينة، كفصل جديد في المقاومة مُثبت على جدار الزمن ومُعلق داخل غرف الصغار، والأهم أن يتلائم مع طبيعة العصر، الذي يحاول فيه الاحتلال سرقة الأرض والتاريخ.

"الرسالة" حاورت المهندس الفلسطيني، للوقوف على كواليس عمل الخريطة، والدافع من ورائها، وحجم الجهد المبذول فيها، والوقت الذي استغرقته كي تظهر إلى النور، والأثر الذي يمكن أن تحدثه ليس في دوائر الأطفال فحسب بل في الكبار أيضًا.

ما هي فكرة الخريطة ومن أوحى لك بها؟

فكرة الخريطة؛ هي أنك إن بحثت اليوم عن خرائط لفلسطين يمكن للطفل أن يتأملها ويتعلم منها شيئًا عن بلاده لنا تجد، بينما حول العالم وبالذات في ألمانيا حيث درست الهندسة البيئية وكنت أزور المكتبات باستمرار، وأرى اهتمام قوي جدًا بتصميم خرائط للأطفال أو حتى إصدار اطلس المخصص لهم، وقد اجتهدنا أن ندرس الكثير من النماذج العالمية وحتى المحلية، فالكيان الصهيوني يقوم بإعداد خرائط للأطفال عن أرض فلسطين من وجهة نظر صهيونية، وبعد الدراسة والبحث وصلنا إلى النسخة الحالية؛ التي وبحسب ما نعلم لم يسبق لأحد وأن قام بها من قبل.

عمر عاصي

كلمنا عن مراحل تطور الفكرة من بداية كونها أمنية في خاطرة الغيب إلى أن ظهرت للنور؟

المراحل باختصار، بدأناها بتجميع ما أسعفنا الجهد في تجميعه من خرائط تم إنجازها للأطفال من مختلف البلاد، ثم بدأ تجميع المعلومات والأماكن الاكثر تميزًا والأكثر ضرورة، بعدها اضطررنا أن نختار عددًا محددًا من المعالم كي لا يكون هناك تكدسًا في الشكل، وبعدها بدأنا الرسم الفعلي للخريطة، ثم أعقبها مرحلة الملاحظات والإضافات، ثم النشر الأولي على الفيسبوك لسماع تعليقات الناس بشكل موسع وبقي لنا أن نطلق النسخة النهائية.

ما هو حجم الجهد الذي بذلتموه كي تخرج الخريطة بهذا الشكل؟

لا يمكنني أن أقدر حجم الجهد المبذول، فالمشروع كان أشبه بمولود لطالما انتظرناه، خاصة أننا لم نجد أحدًأ من قبل قام بالفكرة ذاتها، وهذا شجعنا أكثر على أن نبذل كل جهد دون أن ننتظر شيئًا، وقد قمنا بذلك بشكل تطوعي علمًا بأن معظم العمل تم خلال آخر عام من دراستي للهندسة البيئية في ألمانيا.

عمر عاصي

متى بدأت العمل عليها، وما هو الوقت الذي استغرقته حتى تخرج إلى النور؟

بدأنا العمل عليها قبل عام ونصف تقريبًا، فالبحث عن رسّام محترف يُمكن أن يخرج هذا العمل بشكل مميز لم تكن مسألة سهلة، ولكن الحمدلله وصلنا لرسامين وهما عمر زغلول وزوجته وقد عملوا عليها معًا. بالإضافة إلى ذلك احتجنا إلى الكثير من الوقت كي نقوم بتعديلات وتحسينات بعد كل مشورة يبديها لنا أشخاص أو ملاحظات تتاورد إلينا من المختصين.

ماذا كان الدافع من وراء عمل الخريطة؟

الدافع من ورائها هو أننا بعد 71 عامًا من النكبة يجب أن نقدم القضية بشكل يتلائم مع متطلبات العصر، والمثير أن معظم العاملين في مجال التعريف بالقضية الفلسطينية يقدمون مواد تُوجه إلى الكبار غالبًا، في المقابل فإن المحتوى الملائم للأطفال قليل ولا يكاد يُذكر، وإن وُجد فهو غير معروف لفئة واسعة، وبالإضافة إلى ذلك فإنني شخصيًا وكوني من فلسطينيي الداخل وندرس في مدارس إسرائيلية فإنني لم أتعلم في المدرسة عن فلسطين، لأن كل الكتب تتحدث عن إسرائيل، وبالتالي أطفالنا بحاجة لمحتوى مميز يربطهم بتاريخهم.

عمر عاصي

ماذا كان صدى الفكرة عندما أعلنت عنها للمقربين منك، ومن كان أول من أخبرته برغبتك في تنفيذها؟

أول شخص أخبرته برغبي هو زوجتي، وهي التي دعمتني وانضمت للفريق كونها درست علم النفس والعمل الاجتماعي ولها خبرة مع الأطفال وبالتالي كنا نعمل في البيت كفريق ونبحث ونناقش حتى وصلنا إلى هذه المرحلة.

أنت محب للجغرافيا والتاريخ، فإلى أي مدى طوعت تعلقك بكلا المجالين في سبيل تطوير فكرتك؟

الفكرة نابعة نعم من حُبي للخرائط والتأمل فيها بحثًا عن بلدي، ولكن صراع الهوية الذي أعيشه أنا وكل فلسطيني في الداخل بشكل خاص، كان المحفز الأكبر بالنسبة لي للعمل، ولا شك أن حُبي للخرائط ساعدني، كذلك حُبي لزيارة المكتبات في ألمانيا ومطالعة ما تم انجازه حتى اليوم في تلك الدولة وغيرها، فنحن في الواقع لم نبدأ من الصفر، بل حاولنا تقديم شيء جديد مبني على تجارب سابقة.

عمر عاصي

هل تعتقد أن الأطفال وحدهم هم المستهدفون من تلك الفكرة؟

الأطفال هم المستهدفون في الدرجة الأولى من هذه الخريطة، ولكن الأمر لا يتوقف عندهم، فقد لاحظنا أن هناك من الكبار من لم يميز بين الخليل وبين بئر السبع وبين حيفا وعكا، وعليه فإن الخريطة وبشكلها الحالي هي أشبه بدورة تعريفية أساسية للبلاد في فلسطين، هذا غير انها ركزت على الثروة النباتية لكل مدينة مثل وجود رسم العنب في الخليل والصبار في الرملة والموز في أريحا، وهذا يجعل الخريطة مميزة لفئات أخرى.

البعض قد يرى أن هذا العمل محمود لكنهم يعتقدون أن الأفكار الفردية وحدها لا تفيد، ولابد وأن تكون في سياق عمل جماعي كي تكون دوائر التأثير أكبر، فما ردك؟

 بلا شك، لولا العمل الجماعي لكان من المستحيل الوصول لخريطة بهذا الشكل، فكل شخص في الفريق قدم ملاحظات ساهمت في تطوير الفكرة، والسبب في ذلك أن الفريق مكون من فلسطينيين من الضفة والداخل وكذلك من الخارج، الأمر الذي جعل العمل مميزًا لأن كل منهم له نظرته الخاصة لفلسطين.

هل تلك الخريطة ضمن مشروع ثقافي أكبر تعمل عليه؟

الفكرة لا تنحصر في خريطة في الواقع، وإنما هي جزء من مشروع أو بكلمات أدق رؤية يتبناها أعضاء الفريق؛ وهي أنه علينا أن نقدم القضية وكل ما يتعلق بها بأسلوب إبداعي ومميز.

عمر عاصي

ما هي طبيعة عملك بالأساس وإلى أي مدى استفدت من ذلك في تطوير الفكرة؟

طبيعة عملي بالأساس هي في مجال الـ"جي أي إس" ما يُعرف بالاستشارات البيئية، وهذا ينعكس في الخريطة من خلال محاولة التعريف بالبلدان من خلال ما يميزها من كنوز أو موارد محلية فلكل مكان خاصيته ولكل مدينة حكايتها وما يميزها وهذا هو سر عالم نظم المعلومة الجغرافية وحتى عالم التنمية المستدامة، فالكثير من الأهل في الخليل يعتمدون على زراعة العنب ويتميزون في صناعة كل ما له علاقة به، وفي اريحا فإن الموز "الريحاوي" مميز وهو أشبه بعلامة تجارية مسجلة في فلسطين والبرتقال اليافاوي كذلك، وهناك نماذج مختلفة قليلًا مثل السمك في غزة والكنافة في نابلس وكل هذا يجعل الخريطة كذلك ملائمة لمقدمة مبسطة عن الاقتصاد وموارده المختلفة في كل بلد فلسطيني.

عمر عاصي

كيف فسرت ردود الفعل الكثيرة التي تلقيتها بعد إنهاء الفكرة؟

التفسير الوحيد الذي لدي هو أن الناس متعطشة لمحتوى مميز متعلق بالقضية الفلسطينية بعيدًا عن النمطية وكل ما هو تقليدي، وأعتقد أن هذه فرصة لنا ولكل مهتم بالقضية أن يعلم مدى حاجة الشارع لمثل هذه المشاريع الغير نمطية، والخريطة هي نموذج واحد فقط يمكن أن يلحقه ملايين النماذج للإبداع.

التعليقات

التعليقات

الأكثر قراءة اليوم

powered by MyDasht