"الكون من عدسة تلسكوب".. رحلات "السماء الليلة" خارج النقطة الزرقاء الباهتة

رحلات السماء الليلة

رحلات السماء الليلة

في لحظة ما قرر الطبيب "أحمد رسلان" المحب لعلم الفلك منذ الصغر ونماه مع الوقت بالقراءة والممارسة، أن يضع هذا الاهتمام في إطار يضمن له أن يجد الناس المتعة والشغف الذي يجدهما كل مرة وهو ممسك بتلسكوب يرقب السماء، فألقى بتلك الهواجس لصديقه "شادي عبدالحافظ" عندما تقابلا خلال أسبوع العلوم في مارس 2017، فوجد فيه رغبة مماثلة، ومن وقتها أخذا القرار، بتأسيس مبادرة تقوم على تعليم الناس علم الفلك بشكل مبسط وبطريقة تفاعلية، كان الهدف منها أن يعيدوا تصورات الناس عن هذا العلم "وبدل ما يبصوا لتحت يبصوا للسماء كل يوم ولو لدقائق"، يقول "أحمد" لـ"الرسالة".

أحمد رسلان وشادي عبدالحافظ

لم تواجه الصديقين في البداية أية معوقات، حيث لم يتكبدوا عناءًا في عمل صفحة على فيسبوك يحدثونها بالمقالات التي تختص بعلم الفلك والرصد، أو تعليقات على شكل القمر ومراحل تطوره من كونه هلالًا إلى أن يصير بدرًا، فاستطاعت تلك البساطة التي تغلف الكلام، أن تفك شفرات علم صعب ومعقد كان الجميع يحسبه أنه عصي على الفهم، فإذا به يتسلل إلى إذهانهم بسهولة، الأمر الذي شجع "أحمد" أن ينزل إلى أرض الواقع من خلال المحاضرات والفعاليات، كذلك تنظيم رحلات إلى أماكن نائية حاملين التلسكوبات، وتاركين الفرصة لغيرهم أن يطالعوا المتعة بأعينهم.

رحلات السماء الليلة

تجسدت الصعوبات أول الأمر في التصاريح التي كان من المفترض أن يحصلوا عليها كي يقيموا الفعالية في مكان مفتوح "زي مراكز الشباب أو ستاد"، أو تلك التي تتعلق بحمل التلسكوبات التي ترافقهم في الرحلات البعيدة، فكانوا يصطدمون بالبيروقراطية التي تتحكم في سياسة العمل الحكومي "كنا ممكن نعقد شهر علشان نجيب تصاريح إدارية أو أمنية"، نظرًا لأن أغلب الموظفين الحكوميين لم يكن لديهم الدراية الكاملة بعلم الرصد الفلكي "كانوا مفكرينا شغالين في التنجيم"، كل تلك المعوقات جعل نشاطهم يقتصر على القاهرة وما يحيط بها من محافظات.

رحلات السماء الليلة

تبدأ رحلات الرصد بالنسبة لرسلان ورفقائه من حيث تنتهي علاقتهم بالعالم الخارجي، تترامى الصحراء برمالها من حولهم بينما الصمت يفرض سطوته على المكان، كل تلك الأشياء تحفز الرغبة في الجميع أن تظل عيونهم معلقة بالسماء ولا شيء غيرها، فيبدأون بمحاضرة مطولة قد تمتد لساعتين تدور حول حركة القمر في اللحظة التي يجلسون فيها تحت أضوائه التي ترسل خيوطها إلى كل مكان فتنيره إنارة خافتة، ثم يتأهب الجميع لإمساك التلسكوب ورصد حركة الكواكب والقمر ومشاهدة قلب المجرة، ثم يعيدون المحاولة في اليوم التالي فجرًا "يكون السماء شكلها اتغير".

رحلات السماء الليلة

متعة خالصة تعانق الجميع حينما يطالعون السماء بذهن صاف، يبهجهم ما يموج فيها من كواكب وأفلاك ونجوم تدور في حركة لا تهدأ، يحرك داخلهم السعادة الكامنة خاصة للذين اعتادوا أن ينظروا إلى السماء لساعات بشكل يومي؛ فيجدون أنفسهم في رحاب الصحراء التي تتيح لهم أن ينظروا إلى السماء بشكل مختلف، ثم تصل السعادة إلى منتهاها وذروتها عندما يصورون الجزء الفلكي، ما يعده الطبيب أكثر تفاصيل الرحلة إمتاعًا. وفي رمضان حيث ينشط الاهتمام بالهلال ومراحله، يتم عمل رحلات رصد يتم فيها التركيز على منازل القمر وعملية تطوره.

رحلات السماء الليلة

لم يحز الاهتمام بالرصد الفلكي على اهتمام الكبار فحسب، بل تملك قلوب الأطفال الذي أراداو أن يضيفوا على الأنيمي الذي يشاهدونه في التلفاز واقعية، فكان يرافقون آبائهم في رحلات الرصد، ما جعلهم يقومون بأنشطة يطرقون فيها أبواب المدارس، ويعطون الأطفال محاضرات تعريفية مبسطة تتناسب مع عقلياتهم.

على عكس الاتجاه السائد الذي قد يعتقده البعض بعدم اهتمام المصريين بعلم الفلك، يرى رسلان أن قطاع كبير من الشباب أبدوا اهتمامًا وحفاوة كبيرة بالأفكار المتعلقة بعلم الرصد والفيزياء الفلكية، كذلك وجدوا صدى لفكرتهم في أندية فلكية منتشرة بالكثير من الجامعات المصرية، كما مدوا خطوط التعاون بينهم وبين المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيائية وهو ما ترجمته العديد من الفعاليات التي يقيمونها سويًا من خلال المرصد الفلكي الموجود بالقطامية والذي يعده أحمد من أكبر مراصد الشرق الأوسط، لكنه مؤخرًا بات يعاني من مشاكل تتعلق بعدم دقة الرصد نظرًا لعلو مباني العاصمة الإدارية التي حجبت عنه الرؤية، لذا فهم يحاولون نقله إلى مكان آخر.

رحلات السماء الليلة

لم يكن علم الفلك بالنسبة لأحمد بعيدًا عن الناس حتى يقترب، لأنه كان في الماضي يشكل جزءًا أساسيًا من حياتهم، حيث كانت تنبني عليه تحديد أوقات واتجاهات السفر، ومعرفة بدايات ونهايات الفصول، كما شكل الكثير من المعتقدات التي كان تتحكم في تصورات البشر عبر التاريخ عن الحياة والكون، فنُسج حوله الكثير من الأساطير القديمة، لعل أشهرها ما وجدوه منحوتًا على جدران معابد الفراعنة والإغريق وما درج العرب على ترديده في حكاياتهم وقصائدهم، لتأتي النهضة الحديثة وتفصل الناس عن علم الفلك والرصد بالتلوث الضوئي الناجم عنها "ودي خلت الناس ما تشوفش السماء بعد ما كانت جزء من حياتهم".

رحلات السماء الليلة

المتعة والسعادة التي تعانق قلب أحمد حين يمسك بالتلسكوب، لم تكن وحدها كافية لأن يظل شغوفًا ومحبًا لعلم الرصد، حيث يرى أن الفلك يجعل الإنسان يدرك لحقيقة حجمه والذي لا يعدو نقطة صغيرة هائمة مقارنة بالمخلوقات الأخرى التي يزخر بها الكون، هذ التصور نابع بالنسبة له من العبارة التي أطلقها كارلوس هيجن "مجرد نقطة زرقاء باهتة"؛ حيث كانت أحد التوصيفات التي أطلقها على كوكب الأرض عندما نظر إليه من كوكب زحل، كما أن الرصد يسكب في نفس الإنسان الراحة والهدوء، التي تجعله يسمع أكثر لصوتها الخافت المتهدج وسط ذلك السكون؛ حينما يضع الطبيب تلك التفاصيل إلى جوار بعضها يصل إلى حقيقة مفادها أن الإنسان "لاشئ حرفيًا".

رحلات السماء الليلة

استقطاب الناس مرة أخرى للاهتمام بعلم الفلك يحمل صعوبة كبيرة، بالنسبة لأحمد يرى أن ذلك خاضع إلى الثقافة العامة المتجذرة التي تتحكم في عقلية الناس في الوقت الحالي، حيث إن معظمها منصرف عن تلك العلوم ومنسحق تحت وطأة الأعباء الحياتية المرهقة التي لا تتيح لهم الالتفات إلى غيرها، كما أن الحل يكمن في إعادة الإنفاق على العلوم والمراكز البحثية، فعلم الفلك يعد جزءًا من علوم أخرى كالفيزياء الفلكية وعلوم استكشاف الفضاء، وكل المحاولات التي تسعى لتغيير تلك الصورة مجرد محاولات فردية؛ تنجح لكن على نطاق ضيق ومحدود.

التعليقات

التعليقات

powered by MyDasht