شريف سمير

لقمة العيش!

ألقى الرئيس عبد الفتاح السيسى حجرا فى البحيرة الراكدة عندما أعلن نظام الهيكلة الجديدة لأجور العاملين بالدولة، ورسم خطة مباغتة لعلاج التشوهات التى أصابت رواتب الموظفين بمختلف درجاتهم الوظيفية وشرائحهم الاجتماعية لسنوات طويلة .. وانعكس المشهد على شكل وأسلوب ونمط الحياة داخل الأسرة المصرية المكافحة للحصول على معيشة كريمة وآدمية لأبنائها .. ورغم أن الخطوة متأخرة كثيرا وكان كل بيت يحلم بها وينتظرها منذ عهد مبارك، بل وكان المفترض حدوثها والإقدام عليها بعد ثورة يناير النبيلة طالما تحدثنا عن ثورة شاملة وتغيير جذرى فى الأوضاع .. ولكنها أخيرا موضع تنفيذ وبإمضاء رئيس الجمهورية، وتظل مرهونة بإجراءات أخرى تمنحها القوة والقدرة العملية على مواجهة أعباء المواطن البسيط وتخفيف معاناته اليومية!.

إن حالة المصريين هذه الأيام لاتسمح بـ "ترف" الحديث عن المشروعات العملاقة وثمارها المنشودة .. أو روشتات إصلاح التعليم .. أو حلم الوصول إلي الخدمة الطبية المتميزة نحو صحة أفضل لكل مواطن .. أو حضور حفلات "السوبر ستارز" ومشاهدة "الأسطورة" وهو يرقص عاريا بسعر تذكرة يصل إلي ١٥٠٠ جنيه بما يتجاوز الأجر الأساسى لشاب حديث التخرج ويبحث عن فرصة عمل فى وطنه .. فالوضع الاجتماعى يقتضى الانصراف عن هذه القشور والتفكير جديا فى كيفية الخروج من "شرنقة" ضعف الراتب وقلة الدخل مقابل زيادة الأسعار ومضاعفة المسئوليات لدى كل أب وأم .. وما فعله الرئيس السيسى هو بداية الحل لتوفير "لقمة عيش" حلال ومُرضية نوعا ما، وتحقيق العدالة الاجتماعية ورفع الظلم عن الطبقة المتوسطة بينما فئات معينة فى المجتمع تحظى بالامتيازات والعطايا والأجور المريحة لأهداف وحسابات معروفة .. وبالنظر إلى مقدار الزيادة المطروحة فى القانون الجديد وحجم العلاوات المقررة نكتشف أن المسألة تحتاج إلى مزيد من الدراسة والتعديل إذا ما قورنت تلك الزيادات بارتفاع أسعار الوقود والمحروقات موسميا، وصولا إلى فواتير الكهرباء والغاز والمياه داخل كل بيت أو عقار سكنى أو محل تجارى مشروع .. ومع حلول كل صيف تصعق هذه الفواتير الاستقرار العائلى ويسارع رب الأسرة إلي عمل إضافى بجانب وظيفته لسد الاحتياجات، وتضطر كل زوجة بالورقة والقلم وإرهاق الأعصاب لإعادة ترتيب الأولويات وتأجيل الخطط والأحلام البسيطة لحين اتساع حجم "لقمة العيش" ليشبع منها الصغار قبل الكبار.

وإذا نجت ملايين الأسر من غرق الديون وأقساط الجمعيات الشهرية، فأسعار السلع الأساسية تقف بالمرصاد وتستنزف "جنيهات" الراتب فى أول "يوم قبض" بحيث يصعب على المواطن استكمال الشهر ويتورط فى الاقتراض أو التزام البيت لحين ساعة الفرج!.

هذه ببساطة وإيجاز أحوال الناس فى مصرنا الصابرة .. وأتصور أن تحسين الأوضاع الأسرة ماديا يعتمد على مضاعفة الراتب الأساسى وضم العلاوات القديمة ولو بأثر رجعى لكل العاملين دون استثناء أو تمييز .. مع محاولة مخلصة وشريفة من الحكومة لتثبيت الأسعار وتوفير الدعم من الدولة تزامنا مع تنشيط حركة تنمية الموارد وفتح مجالات العمل والإنتاج للشباب من الجامعيين والحرفيين وتسهيل فرص المشروعات الصغيرة لمن لم يحالفه الحظ والتوفيق فى الالتحاق بالعمل الحكومى.

لاشك أن مبادرة الرئيس لمنح "الراتب الشهرى" قبلة الحياة من القرارات الجريئة والمحسوبة للنظام السياسى .. وما نبغيه أن تتحول القبلة من مجرد أنبوبة أوكسجين مؤقتة إلى دواء شافٍ يعالج المرض ويستأصله من الجذور حتى لايعود إلى الجسم ثانيةً .. ومتوسط دخل الفرد فى أى دولة هو عنوان تقدمها ومعيار قوتها .. ولاسبيل للانبهار أو الإشادة بأى قرارات أو مراسيم إلا بعد مشاهدة آثارها على الواقع ولمس نتائجها .. والرئيس يفهم جيدا ما يحتاجه المصريون الآن ويدرك متاعبهم ويعيش همومهم ويتحرك ليشعروا بالراحة ويجنوا ثمار شقائهم وصبرهم الطويل .. وما ينقص الصورة أن نجد "لقمة العيش" فى كل بيت مُتاحة وكافية لتتمكن كل أسرة من مواجهة الحياة وضمان مستقبل إنسانى لأولادها .. وإنى على قناعة دائما وأبدا بأن هذه اللقمة بـ"بضعة" آلاف من الجنيهات تصنع أمة وحضارة تعجز عن بنائها "ملايين" الصفوة الكاذبة .. و"مليارات" الفساد ولصوص الـ"٥نجوم"!.

شريف سمير

التعليقات

التعليقات

الأكثر قراءة اليوم

powered by MyDasht