"المعاهد الوهمية".. صداع في رأس التعليم العالي

المعاهد الوهمية

المعاهد الوهمية

ملصقات تنتشر على جدران الشوارع، إعلانات تُبث على القنوات بصفة مستمرة، أشخاص يستقطبون المارة من خلال الإعلانات التي يقومون بتوزيعها عليهم، يستهدفون بها من لم تسعفهم مجاميعهم الضعيفة أن يحققوا آمالهم في الالتحاق بالكليات التي نسجوا أحلامهم حولها، فتصبح تلك الكيانات الوهمية محاولة جديدة للتشبث برغباتهم التي أضاعها التنسيق، ورغم التحذيرات التي تطلقها وزارة التعليم العالي مع بداية كل عام دراسي، إلا إن ذلك لا يمنع وقوع الكثير من الطلاب وأولياء الأمور ضحايا لتلك المعاهد الوهمية غير المرخصة.

أعلن رئيس قطاع التعليم بوزارة التعليم العالي السيد عطا أمس، أن لجنة الضبطية القضائية التابعة للوزارة نجحت حتى الآن في غلق 170 كيانًا تعليميًا منذ بداية عملها بالوزارة، وإنه يباشر بنفسه عمل اللجنة بشكل دوري، ويتلقى تقريرًا بذلك لاتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة.

من أين جاءت فكرة الجامعات والمعاهد الخاصة؟

ساند فكرة إنشاء الجامعات والمعاهد الخاصة في البداية، هو نجاح ذات التجربة في المدارس الخاصة والتي واجهت بعض القصور في البداية، والذي تم تجاوزه فيما بعد وأصبحت تلك المدارس قبلة الطلاب وأولياء الأمور في البحث عن تعليم ذات جودة وكفاءة أكبر، وفي المراحل الجامعية كان أولياء الأمور يرسلون أبناءهم الذين لم تسعفهم مجاميعهم في الالتحاق بالجامعات المصرية إلى دول أوروبية، لكنهم كانوا يتكبدون مشاكل كبيرة منها تعرض أبناؤهم إلى الانحراف، كما كانت الأردن تستوعب عددًا كبيرًا من الطلاب المصريين وبالتالي كانت الفائدة المالية تعود على تلك الدول وحدها، فتدافعت تلك العوامل جميعها على ضرورة الإسراع بإنشاء الجامعات والمعاهد الخاصة والتي بلغت 163 معهدًا بحسب تصريحات السيد عطا، رئيس قطاع التعليم بوزارة التعليم العالي.

شاب التجربة في البداية سلبيات كثيرة، مثل قبول طلاب من الشعبة الأدبية في كليات الطب والهندسة، كما كان معظم القائمين على الدراسة لا يحملون درجات أكاديمية مثل الدكتوراه فضلًا عن قبولها لطلبة من الدول العربية دون الالتزام بالحضور والحد الأدنى للقبول، إضافةً إلى عدم وجود مستشفى تعليمى بكليات الطب، فتدخلت وزارة التعليم العالي لإصلاحها استنادًا لمقولة الدكتور مفيد شهاب عندما كان وزيرًا للتعليم العالي وقتها بأن الجامعات الخاصة "وجدت لتبقى".

في تصريحات لأحد عمداء المعاهد الهندسية الخاصة، يقول فيها إن لعبة المعاهد الوهمية جاءت نتيجة وجود أعداد كبيرة من الطلاب الذين لم تسعفهم مجاميعهم بدخول الجامعات أو حتى المعاهد المتميزة، ولهم وأسرهم طموح دخول أي كلية فيكون الطالب أشبه بالغريق الذي يريد أي طوق نجاة حتى لو كان وهميًا، فيجد ضالته في اسم معهد وهمي خاصة من النوعية التى ترفع شعارات خادعة، كما ساعد في انتشارها استيعاب سوق العمل لخريجي الجامعات الخاصة حيث لم تعد تعنيه الشهادة قدر ما يعنيه الخبرة والكفاءة في العمل، وإن الطالب إذا لم يكن مؤهلًا بصورة جيدة لن يجد عملًا في النهاية وسط الكم الهائل من من الطلاب الخريجين كل عام.

بـ50%.. حلم ارتداء البالطو الأبيض ما زال في الإمكان

من خلال أسماء براقة تحمل بعض المعاهد عناوينًا لجامعات أجنبية، تدونُها على أوراق الإعلانات التي تقوم بطباعتها مع تدعيمها ببعض المزايا التي تدعي أنه بالإمكان تحقيقها للطلاب كإمكانية التحاقه بالكلية التي يريد دون النظر إلى المجموع بما فيها كليات الطب والهندسة، ووضع شعارات من نوعية "إدرس برا مصر أكيد أحسن وأكيد أوفر"، بتلك السياسة تسعى الكيانات الوهمية إلى استقطاب الطلاب الباحثين عن تعليم أرخص بمجاميع أقل من خلال مندوبيها الذين تضعهم على أبواب الجامعات ومكاتب التنسيق أثناء فترة التقديم للكليات.

وحول جذور المشكلة، يقول رئيس جامعة المنوفية سابقًا الدكتور مغاوري شحاتة، إن قانون تنظيم الجامعات الخاصة بمستوياتها العالي والمتوسط صدر في عام 1972، ثم أعقبه بعد ذلك تعديلات كثيرة في محاولة من الوزارة لسد الثغرات التي استغلها المتاجرون بالتعليم، والذين جعلوا المعاهد أشبه بسوبر ماركت يتاجرون فيها بأحلام الشباب، من خلال المزايا التي تتيحها تلك الكيانات في حالة الالتحاق بها، ومحاولة إقناع الطلاب أنه بإمكانهم السفر لأكثر من دولة أوروبية مثل إنجلترا وألمانيا وروسيا وأوكرانيا، ودراسة مجالات الطب البشري وطب الأسنان والصيدلة والهندسة والبيزنس، مدعين أن تكلفة التعليم في تلك الدول قريبة من تكلفة التعليم بمصر.

التساهل في إعطاء التراخيص تلك المعاهد كان على رأس الأسباب التي أدت إلى انتشار تلك المعاهد بهذه الصورة، بحسب ما يقول "مغاوري"، حيث كانت الوزارة تشترط أن يتقدم المستثمر لإنشاء المعهد الخاص من خلال جمعية أهلية يكون من أهدافها النشاط التعليمي في مجالات محددة كالحاسبات والمعلومات، ثم لحقها فيما بعد معاهد التمريض والهندسة والتكنولوجيا والفنون التطبيقية، وهي جميعًا مُلزمة أن تتطابق لوائحها مع الكليات المناظرة لها.

وحتى تُحجم وزارة التعليم العالي حالة الفوضى التي عمّت سوق التعليم الخاص، حاولت تقنين الأوضاع عبر مجموعة من الاشتراطات اللازمة لإنشاء معهد خاص والتي حددتها في مدى مطابقة الموقع الجغرافي مع الحاجة لإنشائه في تلك المنطقة، ومدى احتياج الدولة للتخصصات التي يقوم المعهد بتدريسها، وألا تقل مساحة المعهد عن 5 آلاف متر، وضرورة الحصول على موافقة من الجهات المعنية داخل المحافظة التي يريد إنشاء المعهد بها، وإعداد ملف كامل بإطار هندسي وقانوني وفني لابد يُعرض على إدارة التعليم الخاص للبت فيها قبل قرار الموافقة على إنشائه.

هل القانون في صف طلاب المعاهد الوهمية؟

طبقًا للمبادئ القانونية التي ترسخها المحاكم العليا، فإن القانون يقف في صف الطلاب، بحسب ما يقول الدكتور حسن الخيمي الخبير القانوني، لأنه في حالة توافر حسن النية لدى الدراسين، وإقامة هذه المنشآت التعليمية تحت سمع وبصر جميع الجهات المختصة والأجهزة الرقابية وعملها في العلن أمام الجميع، فهذا يعنى ضمنيًا لدى الكافة أنها منشآت مرخصة ومسموح بعملها من قبل السلطات المختصة، وبالتالى يكون على وزارة التعليم العالي قبول هذه الشهادات ومعادلتها بمثيلاتها وإلغاء كل ما يتم إصداره من شهادات بعد غلق المنشآت.

الغلق وحده ليس كافيًا

بحسب ما يقول "سيد عطا"، فإن الضبطية القضائية التابعة للوزارة مستمرة في عملها لمواجهة كل الكيانات الوهمية التى تمارس النصب على الطلاب وأولياء أمورهم، موضحًا أن جميع الجهات التعليمية المعتمدة مُعلنة على الموقع الرسمى للوزارة وعلى موقع المجلس الأعلى للجامعات، ولا بد من أن يكون الموقع مرجعًا للطلاب وأولياء الأمور قبل الشروع في التقديم لأي معهد أو كيان تعليمي خاص.

الغلق والمصادرة وحدهما لا تكفيان في نظر "فايز بركات" مسؤول لجنة التعليم بالبرلمان، فلا بد وأن يخضع المسؤولون عن تلك الكيانات إلى الحبس المشدد، لأن التلاعب في التعليم يعد تلاعبًا بالمستقبل الذي يُعد الطلاب أحد أهم مقوماته، مضيفًا أنه لا بد من إعادة النظر في افتتاح أو التوسع في المعاهد بأنواعها، وأن تكون هناك معاملة خاصة لإخضاعها للرقابة الصارمة، وأن تقوم الجامعات الحكومية بما تمتلكه من ثروة بشرية وتكنولوجية ومادية بإنشاء معاهد وكليات خاصة برسوم معقولة وبكفاءة تعليمية أعلى تستوعب تلك الأعداد الكبيرة التي تفرزها المرحلة الثانوية من الطلاب، ولا تقوى الجامعات الحكومية على تحملها.

التعليقات

التعليقات

الأكثر قراءة اليوم

powered by MyDasht