حسن عبد الجليل

سيبها على الله

قهقه من أعماق قلبه عندما كيّل له صديقه المقرب سيلاً من "سُباب معتاد".

ما زال كما عهده، أخضر القلب، نقيّ السريرة، سليم الصدر، لم تنل من روحه العامرة قذارة السياسة أو غلاء الأسعار، وحدها البهجة تعرف جيدًا الطريق إلى شفاهه، ما إن يطلق أحدُهم دعابة حتى يرسل على إثرها ضحكة مُدوية من أعماق قلبه، تنتفخ لها أوداجه وتتلون باللون الأحمر، تجحظ عيناه حد البكاء، ويميل على كُرسيه للخلف لا يُعيده إلى وضعيته السابقة سوى تشبُعه من القهقهة.

على مقهى بسيط يطُلّ على أرض زراعية تلوّنت بالأخضر في قريتهم، جلسا. أدار بكفيه الجميلين ورق "الدومينو" على ترابيزة اللعب. استدعى عامل المقهى بصوت جهور طالبًا "شيشة وكوباية شاي"، ولصديقه "حاجة ساقعة" لزوم "المنجهة" لضيف قاهريّ. سدّد الأخير نظراته لابن الريف البسيط، وجده كما عهده في الماضي "جسد منطلق، شارب كثّ، جلباب مهندم، شال كشمير، جزمة سوداء، صديري غطى طقم كلسون فاخر".

استقر ببلدته يعمل بالتجارة، بينما صديقه فضل التحليق بعيدًا عن السرب؛ فلملم حاجياته وراح يطرق أبواب المحروسة.

- يااااااااه واحشني يا "فردة الكلب".. بادره القادم من العاصمة.

- "والله انت أكتر".. ردّ التاجر وهو يسحب أنفاس الشيشة ويُبعثرها في الهواء، بينما يداه وعيناه تقاتلان في ساحة معركة الدومينو؛ أصله "تار بايت".

دوت "طرقعة" اللعب بينما المارة يسيرون كل إلى مقصده. فجأة انتبها لطفل ابن سبع سنوات جذبه جو السرور بين غريمين لم يحسما معركة اشتعلت لتوها، فالرابح سيهرب من "دفع حساب المشاريب". بحنو مرر القادم من قاهرة المعز يدين غزتهما النعومة حديثًا على رأس صغير تملكه فضول المعرفة، نظر الأخير مندهشًا وفي عينيه براءة الطفولة قائلاً: "مين كسبان؟"؛ لينطلق ثلاثتهم في نوبة ضحك أعادت الماضي إلى رقعة اللعب.

انتهى اللعب كما أنفاس الشيشة، ونال التاجر هزيمة ساحقة، بادره القاهري: "تعيش وتاخد غيرها".. ركض الصغير بعيدًا وذاب في الشوارع الضيقة ما إن انتهيا، ثمّ سأل ابن المحروسة المُهاجر مؤخرًا، ما سر سعادتك وسط هذه الوجوه التعسة؟، قال: "سيبها على الله".

أكمل القراءة