محمد خالد الشرقاوي

العودة للمجهول.. محمود عبد الحليم

محمود عبد الحليم وَاحدٌ من هؤلاء المجهولين في هذا العالم ــ الأكبر من تصورِنا عنه ــ كلما بَحَثتُ عن اسمه عبر شبكات الإنترنت، ظَنَنتُ أنَّني الوَحِيدُ في هذا العالم الذي أعرِفُهُ، وكأنه لم يكن أديبًا ولا شاعرًا ولم يترك أثرًا بعد رحيلِهِ، محمود عبد الحليم اسمٌ كان يَحملُهُ شاعرٌ وكاتب صوفي، صَدرتْ له العديد من الدواوين الشعرية والمؤلفات الدينية خاصةَ في حقل التصوف الفلسفي الإسلامي والأخلاق، ومؤلفات عن كبار الشخصيات الصوفية.

رأيتُهُ أولَ مرةٍ خلال أُمسيةٍ شعريةٍ بعرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2014، ألقى قصيدةً أعجبتْنِي وأدهشتْنِي بلاغتُهَا وفصاحتُهَا جدًا، ولكن لم يتفاعل معها الجمهور، وكأنه لم يقمْ من مَجلسِهِ، ولم يقرأ شيئًا، بدى مَجهولًا لكل من بالقاعةِ، ربما لم يكن يعرفه غَيرُ مقدمِ الأمسيةِ الذي تَلَعْثَمَ وهو يقدمه.

كان محمود عبد الحليم، هادئًا وضَعيفَ البُنيانِ حتى كاد أن يَسقطَ أمام الناسِ، ألقى قصيدةً بعنوان "الحلاج" بضَعفٍ وبصوتٍ مُنخفصٍ، كانت كلماتُهُ تَتَلعثمُ في فَمِهِ ويَنقطعُ صوتُهُ؛ ليلتقطَ أنفاسَهُ، قصيدتُهُ ذات طَابعٍ صوفي رائقٍ، غارقةٌ بحب الشاعر المتصوف الكبير الحُسَيْن بن منصور الحَلاج، دافع خلالها عن إتهامِهِ بالكفر وبين رؤيتَهُ الخاصة للصاحِبِهِ، بلغةٍ جميلةٍ وتشبيهات رائعة متسامية عما هو مطروح من قصائد، تعكس قدرًا كبيرًا من ثقافتِهِ الصوفية، فلم يكن من هؤلاء الأنصَافِ عديمي الثقافة والموهبة الذين يملؤون الدنيا شعرًا تافهًا سطحيًا يخلو من مواقفَ فكريةٍ؛ فيُفْسِدُون علينا الهواء.

تَواصَلتُ معه عبر "فيسبوك"، وطَلبتُ أن أقابلَهُ، وأخبرتُهُ أني بَحثتُ عن إصداراتِهِ الأدبيةِ ولكن لم أجد شيئًا، تحدثنا كثيرًا عبر الهاتف، عَرَفتُ أن له العديد من الدواوين والمؤلفات الدينية في حقل التصوف والأخلاق، ونَشَأتْ بيننا صَداقةٌ ولكن منعَهُ المرضُ من لقائِي، وعندما قرأ شيئًا من مقالاتي طلب بشَغَفٍ غَرِيبٍ أن أكتبَ عنه شَيئًا، والتقينا بمعرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2015، وأهداني ديوانين من إصداراتِهِ.

في ذلك اليوم شارك بالأمسيةِ التي كانت تُقام بالقاعة الرئيسية، ولكنه كان أضعفَ وأكثر مرضًا من العام الماضي، بدا وكأنه في عمر السبعين عامًا، ألقى قصيدةً تعبر عن حبه لمصر، وخوفه على مسقبل وطنه، وكان صَادقًا إلى حد البكاء أمام الناس على منصةِ الإلقاءِ، أنهى قصيدتَهُ وظل يبكي حتى نهاية يومي معه، تَحججْتُ بأي شيءٍ حتى انصرف، أعطاني دوانين وقال "اقرأ، وأنا أنتظر ما سَتكتُبُهُ عني وعن الأشعار".

أخذتُ ديوانين الأول "ثورة شعب"، والثاني بعنوان "ديوان الأسئلة" وجدتُ الديوان الأول ضعيفًا جدًا حد الركاكة، وكان حديث النشر، قلتُ في نفسي، لا يكتب هذا الكلام إلا شخص مريض بدنيًا لا يقدر على التركيز وتهتز أصابعُهُ كلما أراد الكتابةَ، وقد كان هكذا في الواقع، وجدتُ الأوزانَ تَهرب من أبياته، ولم أجد في الديوان جُملةً أثارتْ إعجابي، ولكن قلتُ هو العمر.. أحمد اللهَ أنه مازال يكتب في عمرِهِ هذا، فكثيرًا ما يتوقف الكتابُ في مثل عمرِهِ، ولكنه لم يكتب شيئًا جَيدًا! لم أُرِدْ أن أكون قَاسيًا في حكمي عليه، وتصرفتْ كأني لم اقرأ هذا الديوان.

قرأت الديوان الثاني، ووجدتُ قصيدة "الحلاج" ضمن قصائده، كان ديوانًا صوفيًا خالصًا، تناول فيه مجموعة من كبار الشخصيات الصوفية، ولكن لم يعجبني هو الآخر؛ فقد وجدتُ كلامًا عاديًا جدًا مُعَادًا ومُكررًا ليس به أي شيءٍ جديدٍ، وكان قديمَ النشرِ؛ فلم أجد حُجَةً تغفر له ضعفَ الديوان، ولكن لم أجد أجمل من قصيدة "الحلاج"، تعجبتُ أي مُصَادَفَةٍ هذه التي جعلتْ ذلك الرجل يكتب هذه القصيدة الجميلة دون غيرها، كل قصائد الديوان عبارة عن تَكْرَارٍ لقصيدةِ "الحلاج" أو دوران في فَلَكِهَا أو استنساخ لها؛ ذلك قررت ألا أكتب عنه شيئًا.

استمر في سؤاله كلما هاتفني، يُذَكِرُنِي أن أكتبَ عنه مَقالًا نَقديًا، وفى كل مرةٍ أتحَجَّجُ بأي شيءٍ حتى أهرب من فخ الكتابة عن شيء لا يستحق، استمر هذا الحال لفترةٍ طويلةٍ وكان صابرًا على حُجَجِي الوَاهية إلى أن انقطعَ الاتِصَالُ مَعَهُ لفترةٍ طويلةٍ، وعَرفتُ من خلال حسابه عبر "فيسبوك" أنه قد رحلَ بعد صراع مع المرض، لا أعلم لماذا حَزِنتُ من أجل فِرَاقِهِ، ولا أُخفِيكم سرًا، تمنيتُ أن أضربَ نفسي ألف "جزمة" على رأسي الذي لم يعطْهِ فرصةً أخيرةً للحياة، ربما ما كنتُ سَأكْتُبُهُ كان سيُدخل السرور على قلبه، أدركتُ أن الإنسانيةَ لن تسامحَنِي على فِعْلَتِي هذه، كان يريدُ أن أكتبَ عنه أي شيء ولكن لم أفعل، حتى وإن لم يعجني الديوان، لماذا لم أكتب عن القصيدة الواحدة التي أعجبتني؟

مرتْ أربعُ سنوات على ما وعدتُهُ به، وها أنا اليوم أكتب عن قصيدة "الحلاج"، وعن التجربة القاسية التي عاشها الشاعر محمود عبد الحليم، في صمت رحل عن العالم في مارس 2015، ولم تحقق تَجربتُهُ الشعرية نجاحًا، قرأتُ له دوانين لم أخرج إلا بقصيدة واحدة، ولا أعلم ما السبب في ذلك!، ولكن لا يسعنا إلا أن نقولَ رحم اللهُ محمود عبد الحليم الذي تعرفتُ عليه في مثل هذه الأيام بمعرض الكتاب 2014، ولا يسعنا إلا أن نذكره بالخير أقصد قصيدته "الحلاج".

تجلى من موقف الشهود خوفك

وخشيتك من نقش الحروف والانبهار بالعلم

قلمك ف حرف السين والطواسين معجم

ولا كنت من أهل الحلول والاتحاد

ولا كان ف قلبك أي ذرة شرك

من باب فناء الفناء بادئ

وبمنطق الحكمة جعلت كل الوجود واحد

كان التجلي الحق صورتك وابتدأ اسرائك

ومن سراج الأزل والموقف الأثنى بدأت

كان انصهارك من باب الفتوة وعد

ساد السؤال اللي انطلق مرغم

والأسئلة جوا العقول المغلقة طلسم

والحق صوته ع اللسان مخنوق

يا هل ترى م المبتدا عديت كل شطئان المعاني وانحنيت للفهم؟

ولا الرسوم القديمة والانقطاع دلك لاندلاع الفكر؟

ناظرت كل أقطاب المعاني والنقوش والرسم

فرعون موسى \ وإبليس اللعين والضد

ودخلت من باب الفتوة للوجود الحق

وقلت إن العدم في باطنه إيجاد

وف ظاهر الإيجاد عدم

والحق عندك جاوز حدود الفهم

حين انكشاف السر

تناهى الانغماس والوهم

تضائل كل من شانك

وابتديت رحلة وجود م العدم والفقد أصبح وجد

كل اللي شانك اندثر

واللي انقتل وقتك وأنت اللي باقي

رمز الطواسين والحواميم والأزل والفهم والتجديد

من باب الأزل عديت

وأنت المريد والمراد الحق.

أكمل القراءة
التعليقات

التعليقات

الأكثر قراءة اليوم

powered by MyDasht