محمد الصاوي

اليوم الأخير

(1)

ينكَمش في مقعده متحاشيًا لمس من يجاوره. يدُس يده في جيبه متحسسًا عُلبة الدواء؛ (خَلَاصُه).

يتذكر رحلة اليوم في شوارع الحي الهادئ، سار في طرقات تعرفها قدماه دون أن يتعرف عليها، فلن يكلف نفسه عنَاء تذكر الأماكن.

يدلُف إلى الصيدلية، يخرج من جيبه ورقة تحمل اسم العقار، يجيب أسئلة الصيدليّ عن سِن المريض ونوع الحالة، متحاشيًا النظر في عيني محدثه.

يخرج مسرعًا كأنّه يهرب من متعقب يتبعه أينما جَالَ. يقتله الوقت فلا يكاد يُطيق رحلة العودة إلى قوقعته التي يلزمها منذ أشهر.

"كيف مضَى كل هذا الوقت؟!" يسأل نفسه، يتذكر أيامه الأولى في ذلك المنفى الاختياري، مرّت ثِقالًا كأنَّها دهورًا، لكنه مع الوقت أَلِف الوحدة، ثم تكفَّلت هي بالباقي من حياته الاجتماعية. فأصبح يهاب كل شيء، يقتله كل ما هو غريب عنه، يزعجه لَغَطُ العامة في الشوارع، يتوتر من رؤية وجهه صدفة في مرآة حمَّامِه.

(2)

"من أنا.. كيف كنت قبل اليوم؟!".. يتذكر يوما قبل ستة أشهر قرر فيه أن يصارع وحش اكتئابه، فَهَمَّ بالبحث عن "صديق".. الحل في الاختلاط إذًا. يقلب صفحات أصدقائه بذلك الكيان الاجتماعي الافتراضي الأزرق، يرسل إليهم رسالة واحدة: "اسألوا عني كرامة لله". وكأنه استجمع كل قواه دفعة واحدة فأرسلَها وانتَظر…

غفوة طالت به أفاق منها ليجد وحش اكتئابه يبتسم في انتصار من خلف علامة seen ، لم يجرؤ من يومها على مواجهته وسلم إليه الأمر.. يسد أذنيه كلما سمع صراخ مرآته تعكس أنَاهُ المحبوسة.

يخرجه من خيالاته المضطربة عويل سيدة خلفه، تشكو سرطانا أقعدها عن العمل، وموتًا خطف زوجها قبل أسابيع، وقدرًا شل أطراف ابنها الأربعة، ونصيبا فوت على ابنتيها قطار الزواج.

تتحدث في الهاتف شاكية باكية: "خبيت عليهم ولما عرفوا قالوا لي ما تجيش تاني انتي عاوزة اللي يخدمك.. أعمل إيه بس يا ناس".

يلتفت لأول مرة متفرسا وجوه الراكبين يمصمصون شفاههم ويتصعبون على حالها، تلتقي نظرته عيني المرأة، يضيق قفص الشوك على قلبه يعتصره، (أصبح هشا).

يتناوب الركاب على إخراج قطع نقدية وأوراق بنكنوت لمساعدة المرأة الأرملة المريضة الطريدة الفقيرة العائلة، يحدث نفسه "هي لا تريد مالا، تريد رب البيت الذي خطفه الموت، تريد صحتها التي ضاعت، تريد قدرًا أفضل، تريد إجابة عن السؤال "لماذا؟" تريد ربا تعاتبه، تريد إلهًا يفهمها الحكمة من كل هذا العذاب."

(3)

يتجه إلى بيته وقد احتقن وجهه كمن يتنفس على المريخ. يدلف إلى الداخل دونما راحة، "هذا لم يعد بيتا، هو قبر لحي سأجعله لميت" فاليوم هو الأخير.

يخرج العقار من جيبه في آلية، يتفحص ما كتب عليه من تحذيرات، يتأكد من وصفة صديقه الطبيب الذي فعلها قبل شهرين: "كل دواء على حدة غير ضار ولكن إذا أخذت جرعة مضاعفة من الاثنين معا فيتسبب ذلك في انفجار في عضلة القلب".. هكذا إذن انتقال مؤلم ولكنه سريع.

يفرغ كل محتوياته في طبق يخرج من أدراجه أقراصا كتبها له الطبيب لتساعده على النوم، يسكبها في طبق وجبته الأخيرة.

يلقي نظرة أخيرة على غرفته ينظر إلى جثة هاتفه الذي ومض في صمت معلنا وصول رسالة، يتردد "لا فرق"، يدفعه فضوله ليقرأها فلن يضمن أن يحيا بعد الموت أو يتجول في الدنيا بخفة في الخفاء كما قالوا عن كل من مات بأنهم" أحياء ولكن لا تشعرون"، أو لعله عرض آخر من عروض آخر السنة يأتي دائما في رسائل نصية، كانت أنيسه في وحدته، يفتح هاتفه في تثاقل فقد أخره بضع دقائق عن انتقاله الأخير.

"كيف حالك يا عزيز".. يقرأها ويقسم أنه سمعها تهمس في أذنه يلتفت كأنها في المحيط، ابتسم في حنو ثم انتحب.

التعليقات

التعليقات

الأكثر قراءة اليوم

powered by MyDasht