قيس قاسم
بعد “ليلة الصمت” (2012)، الجزء الأول من ثلاثيته المُقتَرح تسميتها بـ”الليل”، ينجز التركي ريس جيليك جزءها الثاني، “ليلة العمى” (2026). فيه، يعود إلى مرحلة سياسية من التاريخ الحديث لتركيا، التي قاد فيها العسكر انقلاباً دموياً عام 1980، ضحاياه ناشطون وسياسيون عديدون، يدعمون التوجّه الديمقراطي في البلد.
يؤلّف جيليك نصّه (السيناريو له) من وحي تجربته الشخصية. للدلالة على واقعية أحداثه، يكتب في البداية: “قصة حقيقية”، مع فارق واحد: البطلة شابة تركية. نقل البطولة من رجل إلى امرأة، تحاول الهرب من قبضة العسكر حفاظاً على حياتها المهدّدة، يتساوق مع رؤيته لواقع تعيش فيه النساء التركيات وسط ظلمة حالكة، مكاشفتها سينمائياً تضع المتصدّي لها أمام اختيار صعب، يشترط المواءمة بين الرؤية النقدية لمآلات عيشها، وإيجاد أنساق جمالية تؤطّر سردها بصرياً، وتحمل فيها خصوصية مبتكرها.
صاحب مشروع “الليل” يختار أسلوباً سردياً مختلفاً في عرض معنى أن تسود العتمة بلداً ما. من الاجتماعي والعادي، يدخل إلى السواد والظلمة. هذا تكشف عنه حكاية “ليلة الصمت”: من ليلة زفاف رجل، يكبر كثيراً سن المراهقة التي يدخل عليها في قرية من قرى تركيا. المشهد المؤطر للحكاية يكاد ينحصر، زمن الفيلم كلّه، في غرفة.
الحوارات الجارية بين العروس القروية جيلين (ديلان أكسوت) والعريس دامات (ألياس سلمان)، الذي يحمل وحشة وظلمة روحية، لقتله والدته ودخوله السجن، يفتح مجازاً لتوسيع مساحة المكان الضيق إلى حيز أوسع وأشمل، يفيض باشتغالات جمالية مذهلة. من دواخل الشخصيتين ليلة الزفاف، يتكشّف خوف كامن في روح كل منهما. الليل، في فيلمه الأول، داخلي، والخارج غير محسوس، لأن الكاميرا ثابتة في الغرفة الوقت كلّه، لا تبارحها إلا قليلاً. مع ذلك، تنقل شدة اللون الداخلي إحساساً بظلام أكبر يحيطها، تشي عتمته وسكونه بضيم وحيف يطاولان فتاة صغيرة، كما يطاولان روحاً معذّبة لفعل ارتكبه رجل بدافع الحفاظ على قيَمٍ وأعراف متخلّفة، تسود في أبعد القرى التركية نأياً.
ترقّب ما سيحصل بين الزوج وزوجته ليلة زفافهما محفّز للتوتّر: “ليلة العمى”، الفائز بجائزة أفضل سيناريو في المسابقة الرسمية للدورة 28 (12 ـ 21 يونيو/حزيران 2026) لمهرجان شنغهاي السينمائي، يزداد حدة ويتصاعد، حين تجد الناشطة السياسية فاطمة (أوزجي أرسلان) نفسها أمام لحظة يتقرّر فيها مصيرها، من دون أن تكون لها القوة الكافية للتحكم بها. عجزها متأتٍّ من وجودها في قالب خشبي لعمود خرساني مُعدّ ليمتلئ بالإسمنت، في موقع بناء قيد الإنشاء.
تُروى حكاية الناشطة السياسية الهاربة في مشهد، بالأبيض والأسود، تسوده ظلمة ليلة حالكة، تنحصر الحركة فيه على سطح مبنى يقتحمه جنود، يقودهم ضابط (إشتار جوكشيفين) بحثاً عنها، بعد أن وصلت إليه معلومات عن وجودها المؤكّد قريباً من المكان. لن يطول المشهد التمهيدي، الذي يوصل الفتاة إلى المبنى مع سائق سيارة يُخفيها بين أغراض وبضائع يبيعها لعمال البناء. يدّعي أمامهم أنها أخته، فيصدقونه. في منتصف الليل، تهاجم وحدة من الجيش المكان بحثاً عنها. حسن (هاتشي علي كونوك)، العامل الأميّ الطيّب، يساعدها بقلع أحد الأعمدة الخشبية، المؤطّرة للقوالب الإسمنتية، ليخفي الشابة فيها. من دون حركة، تكمن داخلها. ومن خلال الفراغات بين أخشابها، تراقب الضابط وهو يستجوب العمال المقيمين في المبنى، بمسافة أمتار قليلة عنها.
بين الاستجواب ومراقبتها وخوفها، تمتلئ مساحة السرد، وتُشبع بتوتر مدروس لا يحوّل أبداً الفيلم الدرامي، الشخصي إلى حدّ كبير، إلى فيلم رعب. على العكس، يمنح الخوفُ المتسرّب من احتمال اكتشاف مكانها، أو اعتراف العامل الذي ساعدها بدوره في إخفائها، للمتلقي لحظة تفكير بما سيحصل عندها، وبالمصير الذي ينتظرها على أيدي الجنود والضابط، الذين يستشرسون في القبض عليها، كأن هروبها من قبضتهم يهدّد وجودهم بالكامل. يقابل هذا تعاطفاً شعبياً مع امرأة لا يعرفونها، لكنهم يعرفون ما تملكه من شجاعة لمواجهة أولئك العسكر، الذين يشيعون الخوف في أوصالهم.
المشهد الذي يجمع امرأة محاصرة في قالب خشبي وضابط ومحقّق مدني، يتمتعان بسلطة مطلقة تتحكّم بمصائر الناس من دون رحمة، يجلي فكرة الهيمنة والديكتاتورية العسكرية، وخوفها في آن واحد من ناشطة قاومت انقلابهم، وقرّرت بدلاً من الوقوع في أسرهم الهروب خارج البلد. كل ذلك يتجسّد في نص مبهر. الكاميرا الذكية (غوخان أتلميش) والإنارة، المحسوبة بدقة عالية، تحوّلان ضيق المكان ورتابة الحركة إلى فعل درامي، ينقل مسار الأحداث من حركة (أكشن) إلى فعل نفسي، يشيع خوفاً عاماً، ويعكس لحظة يجد فيها الإنسان نفسه بين الموت والنجاة. يُصعّد وصول عربة خلط الإسمنت وسكبه في الأعمدة الخشبية الإحساسَ بدنوّ مصيرها.
بمهارة كتابة لافتة بكثافتها وقوة تعبيرها، يوحي المشهد الأخير بفجر، منفتح على فضاء رحب يُبشِّر بنهاية الليل، وانفراج الضوء عقب تحويل العامل، الذي ساعدها أول الأمر، مكان سكب الإسمنت إلى عمود خشبي آخر، ليجنّبها الموت تحت ثقله. العبارة الأخيرة التي يكتبها جيليك تشي بمروره بالتجربة نفسها التي مرّت بها الشابة المعارضة، ويحيل فيها الفضل بنجاته من براثن ديكتاتورية العسكر إلى ذلك العامل النبيل. كما تساعد موهبته السينمائية على نقل التجربة الشخصية إلى منجز مبهر، يعكس ليل الفاشية العسكرية بأعلى درجات التجسيد السينمائي مهارة.
The post "ليلة العمى" التركية: موهبة سينمائية ومُنجز مُبهر appeared first on جريدة المدى.
اقرأ أيضا: نجم فايكينغز سكارسغارد يشارك في الحملة العالمية للإفراج عن الأسير مروان البرغوثي
