سوريا تسعى إلى الاستقلال عن روسيا.. اقتصاديا بعد سنوات من الاعتماد على روسيا.. تسعى دمشق إلى انتهاج سياسات اقتصادية تتلاءم مع وضعها الحالي.

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تسعى الحكومة السورية إلى تقليص اعتمادها على روسيا في تأمين النفط والقمح، في تحول يعكس محاولات دمشق لتحويل المسار باتجاه الولايات المتحدة والغرب. لكن الابتعاد عن موسكو يهدد بحرمان اقتصاد منهك من مورد رئيسي للوقود والغذاء قبل أن تتوافر بدائل مستقرة.

اقرأ أيضا: زلزال يهز عرش الذكاء الاصطناعي، تنحي مؤسس “ديب مايند” ونزيف قيادات في “جوجل”

وتكشف المباحثات الجارية لخفض واردات النفط الروسي حجم المعضلة التي تواجه حكومة الرئيس أحمد الشرع، فهي تريد التخلص من إرث التحالف مع موسكو، وكسب مزيد من الانفتاح والاستثمار الغربي، من دون تعريض السوريين لنقص جديد في الخبز والمحروقات.

وبعد سنوات من الحرب والعقوبات والانهيار الاقتصادي، لا تزال روسيا تملك نفوذا لا يستند فقط إلى قواعدها العسكرية، بل إلى اعتماد سوريا على صادراتها واستثماراتها.

والثلاثاء، نقلت رويترز عن ثلاثة مصادر مطلعة أن دمشق وافقت، في إطار مباحثاتها مع واشنطن لرفع العقوبات المتبقية، على خفض وارداتها من النفط الروسي بصورة كبيرة. وقالت المصادر إن الحكومة بدأت البحث عن موردين بديلين، في خطوة يُتوقع أن تعيد رسم علاقاتها الاقتصادية مع موسكو.

لكن قدرة دمشق على تنفيذ هذا التحول تظل محدودة. فقد اعتمدت لسنوات على روسيا لتوفير جزء كبير من احتياجاتها من النفط والقمح، فيما يواجه اقتصادها انكماشا حادا وارتفاعا في معدلات الفقر ونقصا مستمرا في السلع الأساسية.

ويعيش نحو ربع السكان في سوريا تحت خط الفقر للبلدان منخفضة الدخل (نحو 2.15 دولار أميركي للفرد يوميا)، بحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية لعام 2026.

وبحسب معيار ثان، يعيش 67% من السوريين تحت خط الفقر الخاص بالبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى (يبلغ 3.65 دولار للفرد يوميا).

وانكمش الناتج المحلي الإجمالي من 67.5 مليار دولار عام 2011 إلى نحو 21.4 مليار دولار في 2024، بحسب تقرير “التقييم الكلي والمالي لسوريا” الصادر عن البنك الدولي في 2025.

وترتبط هذه الأرقام مباشرة بحرب مدمرة استمرت نحو 14 عاما، ترك خلالها نظام الأسد فجوات اقتصادية واسعة، بعدما عاش معتمدا عسكريا واقتصاديا على روسيا وإيران.

ورثت الحكومة الحالية اتفاقات سارية، وديونا متراكمة معظمها قروض لروسيا وإيران، يقدر معهد “بيترسون” للاقتصاد الدولي في واشنطن أنها تبلغ ما بين 30 و50 مليار دولار.

كما تواجه الحكومة السورية، في الوقت نفسه، ضغط احتياجات يومية واسعة.

وعلى سبيل المثال تكافح المؤسسة السورية للحبوب لتأمين احتياجات البلاد من القمح، لكنها تظل بحاجة إلى استيراد مفرط لتلبية الطلب البالغ 4 ملايين طن سنويا.

وتشير سجلات الجمارك السورية إلى أن روسيا وشبه جزيرة القرم (التي تحتلها روسيا) توفران نحو 85% من واردت القمح السورية.

ومع ذلك تبقى الأسعار مرتفعة، ويبلغ سعر ربطة الخبز الواحدة 60 ليرة في مدينة مثل الحسكة، وهو سعر مرتفع بالنسبة لمعدلات الأجور الحالية.

وبالنسبة للوقود، تكشف تقارير دولية استمرار اعتماد سوريا على النفط الروسي، حتى بعد تولي الحكومة الجديدة مهامها.

وتسلمت سوريا نحو 16.8 مليون برميل من النفط الروسي عام 2025، وما يقدر بنحو 60 ألف برميل يومياً خلال الأشهر الأولى من العام الحالي.

ورغم رفع معظم العقوبات الغربية، لا تزال خيارات سوريا بشأن إمدادات النفط محدودة جدا، لكن مصادر رويترز قالت إن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد موردين جدد، وإنه من المتوقع حدوث “تغيير جذري”.

وبحثت “توتال إنرجيز” الفرنسية توقيع عقد للتنقيب البحري مع مسؤولين سوريين في يوليو، كما وقعت سوريا اتفاقية مع شركتي “كونوكو فيليبس” و”نوفاتيرا” في يونيو لإنتاج الغاز.

في مواجهة ذلك تسعى روسيا، بعدما فقدت حليفها الأسد، إلى تعويض خسائرها السياسية في سوريا باستخدام أوراقها الاقتصادية المتمثلة في الديون، وتصدير القمح والمشتقات النفطية، فضلا عن استثماراتها في قطاع الفوسفات السوري، مثلما تريد الإبقاء على وجودها العسكري في قاعدة طرطوس التي تعتبر المنفذ الوحيد لروسيا على البحر المتوسط، إلى جانب قاعدة حميميم الجوية.

وفي المقابل تبحث حكومة الشرع عن صيغة تمكنها من إمساك العصا من المنتصف: السير على نهج دبلوماسي يراعي توجهاتها الجديدة والحفاظ في الوقت نفسه على مصادر إمداد مستقرة لاحتياجاتها.

اقرأ أيضا: سقوط جديد.. منتخب مصر للسيدات يودع كأس الأمم الإفريقية بثلاث هزائم

وبينما تتعاون الولايات المتحدة مع دمشق في ملف مكافحة الإرهاب، وضمان الاستقرار الأمني، ومنع أي تهديدات إقليمية، يمضي ذلك بالتزامن مع قرار الإدارة الأميركية تخفيف العقوبات لتسهيل عمل الاقتصاد السوري.

وعلى المستوى الاقتصادي قاد المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، توم باراك، جهود وزارة التجارة الأميركية لتخفيف ضوابط التصدير، لإتاحة الموافقة على تراخيص الاستثمار في قطاعات حيوية تشمل الطاقة، والبنية التحتية، والاتصالات، والطيران.

ورغم أن موسكو لا تزال تورد نسبة كبيرة من السلع الاستراتيجية إلى سوريا، يرى المبعوث الأميركي السابق لسوريا جيمس جيفري، أن موسكو لن تبقى لاعبا حيويا بالنسبة للاقتصاد السوري لا سيما على المدى الطويل، حتى مع احتفاظها بأهمية حالية فيما يتعلق بواردات القمح والنفط.

ويشير في تصريحات لـ”الحرة” إلى أن العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية الجيدة مع روسيا لا تزال مهمة للسوريين لتحقيق توازن في مواجهة جيرانهم، ولتكون بمثابة “وثيقة تأمين” تضمن عدم تقويض روسيا لمواقف دمشق.

كما يلفت إلى أن الولايات المتحدة، أو إسرائيل، أو تركيا، لم تمارس ضغوطا على دمشق لقطع علاقاتها العسكرية مع روسيا.

ورغم انفتاح الإدارة الأميركية على التعاطي مع سوريا الجديدة، لا يزال الوجود الروسي بها يقلق مشرعين أميركيين.

وأصدر الكونغرس، في يوليو، توجيهات إلى وزارة الحرب (البنتاغون) لتقييم الخيارات المتاحة للحد من نفوذ روسيا في سوريا، وضمان مغادرة قواتها ميناء طرطوس وقاعدة حميميم.

في حديثه “للحرة” اعتبر جيفري أن قيمة الوجود العسكري الروسي في سوريا ثانوية نسبيا نظراً لمحدودية قواتها هناك.

وعدد جيفري الأولويات الروسية الحالية في سوريا: “أولا الهيبة، إذ لا ترغب موسكو في أن تُطرد من أي بلد، وثانياً الاستعداد للاحتمالات الطارئة المرتبطة بأي قاعدة عسكرية. وثالثاً الحاجة للعمل ضد أوكرانيا انطلاقاً من شرق البحر المتوسط عند الضرورة، وأخيراً امتلاك ورقة ضغط في مواجهة واشنطن”.

وفي ظل التقارير الأخيرة التي تشير إلى مضي حكومة الشرع في تخفيض حجم واردتها النفطية من روسيا، لا يزال البديل الذي ستعتمد عليه دمشق في تغطية احتياجاتها في طور التأسيس.

وعلى سوريا انتظار أسابيع لدخول قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب برفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب حيز التنفيذ، وهو ما سيسمح لها بانفتاح يمكنها من عقد اتفاقات مع الموردين والناقلين الدوليين، سواء كانت لاستيراد المحروقات أو القمح أو غير ذلك.

اقرأ أيضا: استطلاع يكشف العقوبة التي يرغب مشجعو كرة القدم في إلغائها

‫0 تعليق

اترك تعليقاً